kayhan.ir

رمز الخبر: 232662
تأريخ النشر : 2026November03 - 21:50

المقاومة… حين ترتقي الحياة من غريزة البقاء إلى جلال الوجود

 

عباس المعلم

 مع المقاومة، لا تعود الحياة مجرّد امتدادٍ بيولوجيّ للعمر، ولا يغدو البقاء فضيلةً لمجرّد النجاة؛ فليس كلُّ من تنفّس حيّاً، ولا كلُّ من أفلت من الموت قد ظفر بالحياة. إنّ العيش الذي لا يتجاوز حدود الجسد وشهوات السلامة ليس إلّا صورةً أخرى من الجمود، تتساوى فيها كرامة الإنسان مع عشبٍ ينبت على قارعة الطريق، أو حجرٍ يستقرّ في مجرى السيل. أمّا الحياة في مقام المقاومة، فهي ارتقاءُ الوجود إلى معناه الأسمى، وانعتاقُ الروح من ضيق الذات إلى رحابة المصير، حيث لا تُقاس قيمة الإنسان بما ادّخر من سنوات، بل بما أودع في تلك السنوات من عزّةٍ وموقفٍ وكرامة.

المقاومة ليست طارئاً على الحياة، بل هي من أشرف تجلّياتها؛ بها يستردّ الإنسان سيادته على خوفه، ويتحرّر من عبوديّة الفناء، ويغدو الموت نفسه أعجز من أن ينتزع منه معنى الوجود. معها لا يكون الرضا استسلاماً، ولا الصبر انكساراً، ولا الثبات عجزاً عن الحركة؛ بل تصبح الإرادة سلطاناً على المصير، والكرامة حدّاً فاصلاً بين حياةٍ تستحقّ أن تُعاش، وبقاءٍ لا يستحقّ أن يُحتفى به.

والمقاومة، في أرفع مقاماتها، ليست مجرّد دفاعٍ عن حقّ الحياة، بل دفاعٌ عن الحقّ في ألّا تتحوّل الحياة نفسها إلى ذلٍّ مُقنّعٍ باسم البقاء.

ومع المقاومة، لا يُختزل الإنسان في لحظة انتصار، ولا تنتهي حقيقته عند مشهد انكسار؛ فهي أسمى من أن تُرتهن لغلبةٍ عابرة، وأعظم من أن تُدفن تحت ركام هزيمة. إنْ اشتعلت، كان في اشتعالها إباءُ الأحرار؛ وإنْ سكنت، كان في سكونها وقارُ الراسخين؛ وإنْ انتصرت، لم تُسكرها نشوةُ الغلبة؛ وإنْ تعثّرت، لم تنل من جوهرها قسوةُ المحن. ذلك أنّ المقاومة ليست انفعالاً تخلقه الوقائع وتُطفئه، بل عقيدةُ كرامةٍ لا تستمدّ مشروعيتها من ميزان القوّة، ولا تستأذن المنتصرين في حقّها بالوجود.

وما المقاومة إلّا ذلك اليقين الذي يجعل الإنسان أكبر من جراحه، وأرفع من خساراته، وأشدّ رسوخاً من تقلّبات الدهر. هي أن يبقى الرأس عالياً حين تتكاثر أسباب الانحناء، وأن تظلّ الروح عصيّةً على الإذلال حين يضيق الأفق، وأن يُصان الحقّ ولو خذلته موازين العالم. فليست العظمة ألّا نسقط، بل ألّا يتحوّل السقوط إلى عقيدة، وليست الكرامة ألّا نتألّم، بل ألّا نستبيح ذواتنا اتّقاءً للألم.

مع المقاومة، للبأس جلالُه، وللضرّاء صبرُها، وللبلاء كبرياؤه، وللثبات هيبتُه. فلا الحياة تُقاس بطولها، ولا الرجال تُوزن بسلامتهم، ولا الأمم تُعرف بما تحتمل من ذلّ، بل بما ترفض أن تقبل به من هوان. وحين يبلغ الإنسان هذا المقام، لا يعود السؤال: كم بقي له من الحياة؟ بل: كم بقي للحياة من معنى إن غابت عنها الكرامة؟

فالمقاومة، في أرفع مقاماتها، ليست مجرّد دفاعٍ عن حقّ الحياة، بل دفاعٌ عن الحقّ في ألّا تتحوّل الحياة نفسها إلى ذلٍّ مُقنّعٍ باسم البقاء…

captcha