kayhan.ir

رمز الخبر: 232661
تأريخ النشر : 2026November03 - 21:50

تحذير كارلسون: حين يصبح الخوف أداة في الحرب النفسية

 

لا يستدعي تحذير تاكر كارلسون من احتمال توجيه ضربة نووية أميركية إلى إيران سجالاً معه، فهو لا يدعو إلى الضربة ولا يقدمها قراراً متخذاً، بل يحذر منها ويطلب التحرّك لمنعها. ينقل كارلسون فرضية يقول إن نتنياهو يدفع نحو تحقيقها، ويترك حسمها إلى موعد لاحق، مع الإشارة إلى تردد ترامب وتمسك نائبه جي دي فانس ومبعوثه ستيف ويتكوف بفرصة الاتفاق. لذلك يقع النقاش في مكان آخر: من وضع هذه الفرضية أمام كارلسون، ولماذا، وما الوظيفة التي يؤديها نشرها بهذا الشكل وفي هذا التوقيت؟

الأرجح أن الفرضية وُضعت أمامه لاستثمار تحذيره منها في حرب نفسية يريد أصحابها منح الخيار النووي حضوراً واقعياً في الوعي العام. هذا ترجيح لطريقة استخدام الرواية، يعبر عنه بلوغ مشاهدات كلام كارلسون 55 مليون مشاهدة خلال ساعات. فقد يكون كارلسون صادقاً تماماً في خوفه، ومقتنعاً بأن كشف ما بلغه يساعد على منع الكارثة، بينما يكون من نقل إليه السيناريو راغباً في وصول التهديد إلى الجمهور الإيراني والعالمي عبر صوت يعارض الحرب ويتمتع بمصداقية لدى قطاع من الأميركيين الذين لا يثقون بدعاتها.

وتلك إحدى أدوات الحرب النفسيّة: يستطيع التحذير من خطر أن يمنح هذا الخطر صدقية وانتشاراً يفوقان ما يمنحهما تهديد مباشر. لو خرج أحد المقربين من نتنياهو ليدعو إلى استخدام النووي، لاستُقبل كلامه باعتباره امتداداً لخطابه التصعيدي. أما حين يخرج معارض للحرب ليقول إن العالم بات قريباً من لحظة استخدامها، فإنه يدفع الجمهور إلى التعامل مع السيناريو بوصفه احتمالاً جدياً يستوجب الخوف والتحرك. نية المحذّر منع الفعل، لكن الفاعل المفترض قد يستفيد من تعميم الخشية منه.

تبدأ رواية كارلسون من مشكلة عسكرية محددة، منشأة داخل جبل، يقال إن القنابل التقليدية لا تستطيع تدميرها، ثم ينتقل منها إلى طرح الضربة النووية باعتبارها الخيار المتبقي. لكنه لا يقدم في النص برهاناً على نجاح هذا الخيار ضد المنشأة المعنية، ولا يشرح كيف يتحول تدميرها إلى حسم للحرب. هكذا تنشأ صورة قوة أخيرة لم تُستخدم بعد، يمكنها أن تفعل ما عجزت عنه كل الحرب، في محاولة لاستعادة ذاكرة الاستسلام الياباني واستنساخها في ظروف وبلاد يبدو معها الاستنساخ شبه مستحيل.

السؤال الذي يواجه هذه الصورة بسيط: ماذا سيرث ترامب في اليوم التالي؟ إذا بقيت إيران قادرة على القتال، واستمرت أزمة الملاحة والطاقة، واتسعت دائرة الاستهداف، فما المشكلة التي تكون الضربة قد حلتها؟ بل قد تمنح داخل إيران حجة أشد قوة لطلب ردع نووي، وتضع الحلفاء أمام أخطار أكبر، وتفتح أزمة دولية تتجاوز كثيراً الموقع الذي قُصف. امتلاك قدرة هائلة على التدمير لا يقدم، بذاته، طريقاً إلى إخضاع الخصم أو إنهاء الحرب.

هنا يصبح الترويج للخيار مفهوماً بوصفه محاولة لتحصيل أثره النفسي قبل تحمل كلفته العسكرية والسياسية. الرسالة المطلوبة لطهران هي أن استمرار التمسك بالشروط قد يقود إلى تجاوز كل السقوف السابقة؛ والرسالة المطلوبة للوسطاء أن عليهم انتزاع تنازلات عاجلة تجنباً للكارثة. وبذلك يسعى أصحاب السيناريو إلى تحويل الخوف من فعل يصعب تبرير جدواه إلى مكسب تفاوضي قابل للتحصيل الآن.

ويخدم تأجيل الحسم هذه الوظيفة أيضاً. كارلسون ينقل توقعاً باتخاذ القرار بحلول السابع من تشرين الثاني، مع وصف ترامب بالمتردّد. يخلق ذلك فترة انتظار مشحونة: التهديد حاضر، والقرار لم يُتخذ، وباب منعه ما زال مفتوحاً. وخلال هذه الفترة يستطيع كل طرف توظيف الاحتمال للضغط على الطرف الآخر، من دون أن يكون قد التزم علناً بتنفيذه.

لذلك الأرجح أن فريق نتنياهو وحلفائه داخل إدارة ترامب يمثلون المستفيد الأوضح من إشاعة هذا المناخ، وأن احتمال استخدام تحذير كارلسون ضمن حربهم النفسية يستحق أن يتقدم في القراءة. ولا يقتضي ذلك اتهامه بالمشاركة المقصودة؛ فقد يكون خوفه نفسه هو الوسيلة التي أراد أصحاب الرواية استخدامها.

قيمة التحذير أنه يستنفر الناس ضد التصعيد، لكن التعامل النقدي معه يقتضي منع تحويل الفرضية إلى واقع بمجرد تداولها. فالمطلوب من أصحاب الخيار إثبات جدواه، ومن مروّجي قربه إثبات مقدماته. وإلى أن يفعلوا، يبقى السؤال الأجدى: هل يجري إعداد ضربة نووية، أم إعداد خوف منها لتعويض عجز الحرب عن فرض الشروط؟

البناء

captcha