في ذكرى الوعد المشؤوم… زيتوننا باقٍ والاحتلال إلى زوال
المحامي سماح مهدي
قد لا يعلم السواد الأعظم من أبناء شعبنا أنّ أول مغتصبة يهودية أقيمت على أرضنا في فلسطين أنشئت بتاريخ 01/08/1882 على يد حركة تسمّى “أحباء صهيون”. أيّ أنّ هذه الجريمة ارتكبت قبل أكثر من خمسة عشر سنة على انعقاد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية في مدينة بازل السويسرية بتاريخ 29/08/1897 حيث جاءت في رأس سلّم أولوياته إقامة “وطن قومي لليهود” على ترابنا الفلسطيني.
أطلقت الحركة الصهيونية العنان لكلّ مقدراتها، مستفيدة من اندلاع الحرب العالمية الأولى وما نتج عنها من توقيع اتفاقية سايكس ـ بيكو التقسيمية بتاريخ 16/05/1916. فكان أن تمكّنت الحركة بتاريخ 02/11/1917 من الاستحصال على الوعد المشؤوم من وزير خارجية بريطانيا ـ آنذاك ـ آرثر جيمس بلفور.
صحيح أنّ الوعد وقّعه بلفور، إلا أنّ الدور الأساس في ترجمة الوعد سياسةً عمليةً ممنهجةً كان لوزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل الذي شكّل رأس حربة المشروع الاستيطاني الصهيوني عسكرياً وسياسياً ولوجيستياً.
وتطبيقاً للخطة الشيطانية، زار تشرشل فلسطين في العام 1921 حيث كانت على جدول أعماله زيارة لبلدية “تل أبيب” التي سبق للبريطانيين أن أنشؤوها في العام 1909 كواحدة من الخطوات التحضيرية لإقامة كيان الاحتلال.
ولكي يكون الاحتفال بتشرشل لائقاً به وبحجم الخدمات التي قدّمها للمحتلين، عمد المنظمون ـ على عجل ـ إلى إحضار أشجار صنوبر بعد أن قطعوها من منطقة قريبة إلى خط الحدود الوهمي بين لبنان وفلسطين، فقاموا بغرسها في أرض رملية واقعة ضمن حديقة البلدية، في محاولة منهم لإظهارها بأبهى حلّة.
بدأ تشرشل بإلقاء كلمته، فتنحّت جانباً طفلة يهودية تبلغ من العمر ست سنوات كانت مكلفة بتقديم باقة من الزهر إلى وزير المستعمرات البريطاني. فاستندت تلك الطفلة إلى إحدى الصنوبرات، التي ما لبثت أن مالت وظهر جذعها المقصوص. وكرّت السبحة، فمال عدد آخر من الأشجار فاضحاً الكذبة الوضيعة.
رغم هول ما حصل بالنسبة إلى أركان البلدية، إلا أنّ ذلك جعل تشرشل ينفجر ضاحكاً، ومال إلى “رئيس البلدية” هامساً في أذنه بكلمات جعلته ينقلب رأساً على عقب.
بعد مرور أكثر من قرن على تلك الحادثة، يبدو أنّ كيان عصابات الاحتلال قد حفظ الدرس جيداً، فوضع نصب عينيه استهداف واحدة من أهمّ أركان الصمود والتجذر في أرضنا، عنيت بها شجرة الزيتون.
فتلك الشجرة ليست مجرد مصدر للزيتون وزيته الذي يستخدم أيضاً في صناعة الصابون والعلاج من بعض الأمراض. بل هي رمز من رموز الانتماء إلى الأرض، والتمسك بالهوية، والحرص على الثبات.
وتأكيداً على ذلك، فبعد أن أنجز العدو ارتكاب إحدى جرائمه بجرف قطعة أرض في جنوبنا السوري ـ فلسطين، إذ لم يبقَِ في تلك القطعة شجرة زيتون واحدة، جاهر الضابط المشرف على العملية من جيش عصابات الاحتلال قائلاً: “ضربناكم في أعز ما تملكون، شيء عزيز جداً عليكم، ضربناكم في شجرة الزيتون”.
لأولئك الذين يروّجون “للسلام” مع الكيان الغاصب، هل تعلمون أنه استهدف في جنوب لبنان 6,600 هكتار من الزيتون بالقصف والاقتلاع والحرائق الفوسفورية، من أصل مساحة زراعية إجمالية متأثرة بلغت 56,264 هكتاراً على امتداد لبنان؟
هل هناك من أبلغكم أنّ كيان الاحتلال منذ بداية العام 2023 وحتى تاريخ 30/09/2026 قام باقتلاع 284,000 شجرة زيتون من الضفة الغربية؟
هل وصل إلى مسامعكم أنه وبنتيجة حرب الإبادة التي يشنّها عدونا في الوجود على قطاع غزة، لم يبقَ إلا 150,000 شجرة زيتون من أصل مليوني شجرة؟
الأهمّ من ذلك، أنه وصل إلى كل محتل لأرض فلسطين ما همس به تشرشل في أذن “رئيس بلدية تل أبيب” خلال الحادثة الآنفة الذكر: “أخشى أن تسقط دولتكم يوماً ما حتى لو ساعدناكم وساعدكم كلّ العالم على إنشائها… فلا شيء ينبت هنا بدون جذور”.