الرسالة السرية التي قلبت المشهد.. فانس يراسل محسن رضائي مباشرة
حسان الحسن
رغم كل الصخب الإعلامي المواكب للانتخابات التشريعية في الكيان الصهيوني، فإن أغلب التحليلات تجمع على أن فوز بنيامين نتنياهو سيجرّ المنطقة إلى حرب شعواء جديدة عبر توسيع العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
صحيح أن هذا الاحتمال يبقى واردًا، إلا أن احتمال التسوية بين طهران وواشنطن يبدو أكثر رجحانًا من احتمال الحرب، وذلك استنادًا إلى الوقائع الآتية:
أولًا: دعم ترامب لنتنياهو هو دعم للتسوية
إن دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس وزراء العدو لا يعني تعزيزًا لخيار الحرب، بل يصبّ في مصلحة ترجيح خيار السلم. فترامب يريد "إدارة صهيونية قوية" قادرة على الدخول في أي تسوية محتملة مع إيران، ويعتبر أن نتنياهو هو الشريك المناسب لها، لذا دعمه علنًا. والتاريخ يشهد:
1- شاهد أيزنهاور وبن غوريون (1957): أجبر الرئيس دوايت أيزنهاور رئيس وزراء العدو دافيد بن غوريون على الانسحاب الكامل من سيناء وغزة بعد العدوان الثلاثي عام 1956، تحت طائلة قطع المساعدات، رغم إعلان بن غوريون ضمّ سيناء.
2- شاهد كارتر وبيغن (1978): بعد أن رفضت غولدا مائير كل مبادرات التسوية، جاء مناحيم بيغن، الأكثر تطرفًا، ليوقّع اتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978 ويأمر بإخلاء سيناء كاملة وصولًا إلى 25 نيسان 1982، تحت رعاية وضغط إدارة جيمي كارتر.
فالإدارات المتطرفة هي وحدها القادرة على عقد التسويات الكبرى.
ثانيًا: دخول الدبلوماسية الروسية على خط الوساطة
وما يعزّز فرص التسوية هو دخول الدبلوماسية الروسية على خط التقريب، حيث أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف أن موسكو بدأت العمل على بناء الثقة بين طهران وواشنطن، في مسعى لتهيئة الأرضية لحوار مباشر. وهذا الدخول مؤشر على وجود توافق دولي ضمني على ضرورة خفض التصعيد.
ثالثًا: الدبلوماسية الإقليمية تحسم خيار التسوية - زيارة وفد حلف مكة إلى طهران
والدليل المادي والآني الأقوى على رجحان كفة التسوية، هو ما جرى يوم الاثنين 26 تشرين الأول 2026، حيث استضافت طهران اجتماعًا رباعيًا رفيعًا ضمّ وفدًا من دول "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، يترأسه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.
وأكدت الخارجية السعودية أن الزيارة تأتي في إطار جهود خفض التصعيد ودعم الوساطة التي تقوم بها قطر وباكستان، بهدف تحقيق أمن مستدام بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
إن هذه الزيارة الاستثنائية، وهي الأولى من نوعها بهذا المستوى الأمني، تثبت أن قلب العالم الإسلامي السنّي (الرياض وإسلام آباد وأنقرة) بات يراهن على الحوار مع طهران وليس على الحرب ضدها، وهو ما يقطع الطريق أمام أي مغامرة عسكرية صهيونية-أميركية، ويمهّد الطريق أمام تسوية كبرى.
رابعًا وأخيرًا - وهو الأهم - رسالة فانس إلى محسن رضائي: الدليل القاطع على سعي واشنطن الى التواصل المباشر مع طهران
وما يؤكد بشكل قاطع أننا أمام مسار تسوية وليس حربًا، هو ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال" وموقع "أكسيوس" أمس ( 29 تشرين الأول 2026)، من أن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بعث برسالة مباشرة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، بتوجيه مباشر من الرئيس دونالد ترامب، وهي تمثّل أرفع تواصل أميركي مع إيران منذ أشهر.
وبحسب "أكسيوس"، فإن الرسالة أُرسلت الأسبوع الماضي عبر وساطة قطرية وسُلّمت يوم الأحد الماضي إلى رضائي، الذي لديه قناة اتصال مباشرة مع قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي، وشدد فيها فانس على أن أي مفاوضات لتجنب ضربات عسكرية أميركية "تتطلب مناقشات بشأن المسألة النووية".
إن اختيار فانس لمراسلة محسن رضائي تحديدًا، وهو من أبرز الصقور وأطول من قاد الحرس الثوري مدة، وليس وزارة الخارجية، هو رسالة بحد ذاته: واشنطن تريد التفاوض مع مركز القرار الأمني الحقيقي في طهران.
وحتى عندما حاول ترامب التقليل من أهمية الرسالة أمام الصحفيين قائلًا إنها تتعلق بـ "إمدادات طبية"، فإن مجرد اعترافه بالتواصل المباشر وموافقته عليه، يؤكد أن قناة التفاوض السري والمباشر قد فُتحت.
هذا هو الدليل القاطع: من يرسل رسائل سرية إلى قائد الحرس الثوري السابق، لا يريد الحرب، بل يريد تسوية تاريخية.