تراجع نفوذ «إيباك» في الولايات المتحدة: هل أفل عصر الإجماع المطلق حول «إسرائيل»؟
حسن حردان
لطالما شّكل اللوبي “الإسرائيلي” في الولايات المتحدة، وعلى رأسه لجنة الشؤون العامة الأميركية “الإسرائيلية” (إيباك)، حجر الزاوية في صياغة السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة. غير أنّ المشهد الانتخابي والسياسي في الولايات المتحدة شهد في السنوات الأخيرة تحوّلات نوعية أعادت رسم حدود هذا النفوذ. فلم تعد “إيباك” القوة التي لا تُقهر، بل باتت تواجه تحديات هيكلية وجيلية غير مسبوقة. يطرح هذا التراجع تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التحوّل، وما إذا كان يمثل تصدّعاً عابراً أم تغيّراً جذرياً في طبيعة الدعم الأميركي لـ “إسرائيل”.
مؤشرات ملموسة على تراجع النفوذ
لم يعد تراجع تأثير “إيباك” مجرد قراءة تحليلية نظرية، بل تجسد في وقائع عملية داخل أروقة الكونغرس وساحات الانتخابات التمهيدية:
ـ تغيّر استراتيجيات التمويل والدعم: أقدمت المنظمة على تغيير آليات تدخلها المباشر، متجنّبة في محطات عديدة تقديم تأييد رسمي مكشوف أو تبرّعات مباشرة فجة عبر لجانها للعمل السياسي لتفادي ردود الفعل العكسية والوصم السياسي.
ـ كسر هيبة “المنظمة التي لا تُقهر”: رغم ضخ مبالغ طائلة لإسقاط المرشحين التقدميين المعارضين لسياساتها، نجح عدد كبير من هؤلاء المرشحين في الحفاظ على مقاعدهم بفضل الدعم المالي الجماعي الصغير وقواعدهم الشعبية.
وصمة “أموال إيباك”: بات تلقي دعم المنظمة سلاحاً ذا حدّين، حيث يستخدمه المنافسون في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للطعن في استقلالية خصومهم وربطهم بالأجندات الخارجية.
ـ الجرأة في الرفض العلني: تجرأ عدد متزايد من المشرعين على رفض تلقي تمويلات “إيباك” أو مجرد لقاء مسؤوليها، دون الخشية من العواقب الانتخابية التي كانت تحسب لها ألف حساب سابقاً.
الجذور والأسباب: لماذا تتراجع “إيباك”؟
تتداخل عوامل متعددة لتفسير هذا الانحسار التدريجي في النفوذ، وأبرزها:
ـ الاستقطاب الحزبي الحاد: أسهم تقارب المنظمة المفرط مع الحزب الجمهوري واليمين “الإسرائيلي” في تقويض صورتها التاريخية كمنظمة توافقية عابرة للحزبين، مما أفرز قطيعة مع قطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي.
ـ عواقب السياسات “الإسرائيلية” وحرب غزة: أدت الممارسات المتطرفة للحكومات “الإسرائيلية” وتبعات الحرب النازية في قطاع غزة إلى تآكل الصورة الأخلاقية لـ “إسرائيل” في الشارع الأميركي، ما جعل الدفاع المستميت عن سياساتها عبئاً سياسياً.
ـ التحول الديمغرافي والجيلي: الأجيال الأميركية الشابة كـ “الجيل Z” و “الجيل واي”، فضلاً عن قطاعات واسعة من اليهود الأميركيين الشباب، باتت أكثر انحيازاً لقيم حقوق الإنسان والعدالة الدولية وأقلّ ارتباطاً عاطفياً بالسردية “الإسرائيلية” التقليدية.
ـ ثورة التمويل الرقمي: أتاح الفضاء الرقمي وقنوات التمويل الجماعي للمرشحين المستقلين والتقدميّين جمع ملايين الدولارات بمعزل عن شبكات المال السياسي الكبرى.
ـ تعدّد الأصوات البديلة: أسس ظهور مؤسسات مثل “جيه ستريت” ومنظمات حقوقية يهودية مناهضة للسياسات “الإسرائيلية” متنفّساً سياسياً وبدائل مقبولة للناخبين والساسة الراغبين في مواقف متوازنة.
ـ طبيعة التحوّل: هل هو انقلاب حقيقي أم تراجع تكتيكي؟
يعكس هذا المشهد تحوّلاً هيكلياً وتدريجياً عميقاً وليس مجرد أزمة عابرة. فداخل الحزب الديمقراطي، بات هذا التغير واقعاً راسخاً؛ إذ لم يعد الولاء المطلق لـ “إسرائيل” شرطاً للترقي السياسي، بل أصبحت مساءلة السياسات “الإسرائيلية” جزءاً من الخطاب الديمقراطي السائد. في المقابل، تحافظ “إيباك” على صلابة نفوذها داخل معسكر الحزب الجمهوري المتحالف وثيقاً مع القواعد الإنجيلية واليمين المحافظ.
يمكن القول إذن إنّ عصر الإجماع المطلق أحادي القطبية قد انتهى، وحلّ محله استقطاب حزبي عميق باتت فيه الموقف من السياسات “الإسرائيلية” مادة خلافية في الداخل الأميركي.
التداعيات الاستراتيجية على الدعم الأميركي لـ “إسرائيل”
سيترك هذا التراجع بصماته الواضحة على شكل ومستوى الدعم الأميركي المستقبلي لـ “إسرائيل” عبر مسارات عدة:
ـ المساعدات العسكرية: سيستمرّ الشريان الأساسي للمساعدات على المدى القريب، لكنها ستخضع لضغوط رقابية متزايدة ومطالب بإرفاقها بشروط ومعايير حقوق الإنسان.
ـ الغطاء الدبلوماسي: ستواجه الإدارات الأميركية إحراجاً متزايداً وصعوبة بالغة في توفير مظلة حماية دولية مطلقة (كاستخدام “الفيتو”) دون كلفة سياسية داخلية.
ـ صناعة القرار التشريعي: سيشهد الكونغرس انقسامات حادة حول حزم المساعدات الاستثنائية، مما يحوّلها إلى مادة تجاذب حزبي ومساومات سياسية صعبة.
ـ ارتباط الدعم بالهوية الحزبية: تحوّل الدعم من كونه ثابتاً استراتيجياً مؤسسياً إلى متغیّر رهن بطبيعة الحزب الحاكم في البيت الأبيض والأغلبية البرلمانية.
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول إنّ ما تشهده الساحة الأميركية اليوم ليس نهاية المطاف للوبي “الإسرائيلي”، ولكنه إيذان بنهاية احتكار السردية الأحادية. إنّ تراجع “إيباك” يعكس نضجاً وتغيّراً في بنية المجتمع الأميركي ونخبه السياسية، وهو ما يفرض على صانع القرار “الإسرائيلي” والأميركي على حدّ سواء قراءة هذه التحوّلات بعناية فائقة تفادياً لمزيد من التآكل في رصيد الدعم التاريخي المتبادل…