kayhan.ir

رمز الخبر: 232337
تأريخ النشر : 2026October28 - 20:54

هل تحلّ الضمانات مكان الاتفاقات؟

 

– تواجه واشنطن في المنازلة مع إيران استعصاءً بين خيارين مرتفعي التكلفة: حرب تستطيع إحداث تدمير واسع، لكنها لا تملك ضمانة إنتاج نتيجة سياسية مختلفة، أو عودة إلى شروط مذكرة التفاهم التي حاولت تجاوزها، بما يحمله ذلك من اعتراف بفشل رهانات القوة. وبين حرب قد تعيد الجميع إلى طاولة التفاوض بعدما تدمّر المنطقة ونفطها واقتصادها، وتسوية يصعب تسويقها انتصاراً أميركياً، يبرز سؤال المخرج الثالث: هل تستطيع شبكة ضمانات دولية وإقليمية تحقيق ما تعجز الاتفاقات المباشرة عن تحقيقه؟

– تكمن مشكلة الحرب في المسافة بين القدرة على الضرب والقدرة على الحسم. فتدمير منشآت إيرانية لا يلغي المعرفة النووية، وضرب الصواريخ لا يضمن إنهاء القدرة على الرد، واستهداف النفط والكهرباء يفتح منشآت المنطقة، بما فيها “إسرائيل”، أمام أخطار متبادلة. وإذا انتهت الجولة الجديدة إلى الشروط التفاوضية نفسها، تكون واشنطن قد اشترت بالكلفة العسكرية والاقتصادية زمناً إضافياً لإثبات محدودية أدواتها. أما العودة الصريحة إلى المذكرة فتضع الإدارة أمام سؤال جدوى ما خاضته من مواجهات لتعديل شروطها.

– هنا تصبح الضمانات صيغة محتملة للخروج من المأزق. لا يتعلق الأمر بإلغاء الالتزامات، بل بتوزيعها على أطراف تستطيع تنفيذها والتحقق منها، بحيث يحصل كل طرف على مطالبه الأساسية دون اضطراره إلى توقيع وثيقة جامعة يقرؤها جمهوره استسلاماً. وتمنح المحادثات الرباعية في طهران هذه الفرضية أساساً سياسياً؛ فقد أعلن المشاركون من إيران والسعودية وتركيا وباكستان مواصلة التعاون حول الأمن الإقليمي، فيما وصفت الخارجية الإيرانية الاجتماع بأنه خطوة نحو آليات أمن تنطلق من مصالح دول المنطقة.

– يمكن أن تبدأ الصيغة من الملف النووي برعاية روسية. تحتفظ إيران بحق الاستخدام السلمي والتخصيب ضمن سقف متفق عليه، وتحصل واشنطن على ضمانة روسية، مدعومة برقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعدم الانتقال إلى صناعة السلاح أو تجاوز النسبة المحددة. أما مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، فتُبحث معالجته عبر شراكة روسية في الحفظ أو التحويل أو الاستخدام المدني المراقب. هذه صيغة مقترحة، تتقاطع مع النقاش المنشور حول وساطة موسكو ومصير المخزون الإيراني، وتحتاج إلى التزامات مقابلة برفع العقوبات والإفراج عن الأموال، وليست بعيدة عما ورد في مذكرة التفاهم كمبادئ تحكم المفاوضات.

– وعلى المستوى الخليجي، يستطيع حلف مكة أن يتحول من إطار دفاعي تشكّل تحت ضغط الحرب إلى ضامن لتفاهم أمني مع إيران. تصبح سلامة المنشآت والطاقة والملاحة مسؤولية مشتركة، ويُستكمل تنظيم العبور في هرمز انطلاقاً من التفاهم الإيراني العُماني بشأن المسارات الآمنة. وتكتسب هذه الوجهة معنى إضافياً مع دعوة وزير الخارجية العُماني إلى اتفاق إقليمي لعدم الاعتداء يضم دول الخليج(الفارسي) وإيران والعراق. فالأمن هنا ينتقل من طلب الحماية من جار إلى بناء الحماية معه، عبر مصالح متبادلة وآليات واضحة لمعالجة الخروق.

– وفي المقابل، تتفاهم إيران ودول الحلف على مقاربات للأزمات في اليمن ولبنان والعراق، تعترف بمكانة القوى الحليفة لطهران داخل مجتمعاتها ومؤسساتها، وتبحث تنظيم السلاح ضمن ترتيبات وطنية لا تهدم فكرة الدولة. يتطلب ذلك مشاركة أصحاب العلاقة أنفسهم؛ فلا إيران تستطيع التصرف بتفويض مفتوح عن حلفائها، ولا الدول الإقليمية تستطيع توزيع السلطة بدلاً من الشعوب. لكن الضمانات تستطيع منع تحويل مسألة السلاح إلى مشروع اجتثاث، وتحويل المشاركة السياسية إلى غطاء لاستمرار حرب أهلية معلقة.

– ولا تستقيم هذه المعادلة إذا اقتصرت التزاماتها على إيران وحلفائها. ينبغي أن تتعهد واشنطن، بضمانة روسية وإقليمية، بإنهاء الحروب والاحتلالات، وفي مقدمتها انسحاب “إسرائيل” من الأراضي التي تحتلها في لبنان وسورية وغزة، وفق جداول زمنية قابلة للتحقق. وتواكب الانسحاب ترتيبات أمنية تضمنها دول الحلف وإيران، بموافقة الدول والقوى المعنية، لمنع تجدد الحرب عبر الحدود. بذلك يصبح وقف الاعتداء والانسحاب أساس الاستقرار، وتصبح الضمانات متبادلة، مع آلية للمراقبة وتسوية النزاعات، بدل ترك تفسير الالتزامات للأقوى عسكرياً.

– قد تَنْشئ هذه الشبكة أرضية نظام أمني عربي إسلامي تكون إيران في قلبه، وتجد روسيا فيه دور الضامن الدولي. وهي تتيح لأميركا تقليص حضورها العسكريّ دون إعلان هزيمة، ولإيران تثبيت حقوقها دون إذلال خصومها. والخروج الأميركي، الذي تجعل كلفة البقاء منه اتجاهاً متزايد الترجيح، يصبح عملية منظمة تتقدم مع انتقال المسؤوليات. عندها لا تحل الضمانات مكان الاتفاقات تماماً، بل تصبح الوسيلة لجعلها ممكنة وقابلة للحياة، بعدما أثبتت الحرب أن فرض الأمن من الخارج يهدد بتدمير ما يُفترض أنه يحميه.

– تقف الصين خلف هذه المعادلة، تبارك وتدعم وتراقب من خلف السور، تاركة لروسيا دور الضامن الدولي المباشر، وللقوى الإقليمية مسؤولية بناء التفاهمات وتنفيذها. تلتقي مصالح بكين مع استقرار تدفقات الطاقة وأمن الممرات وتراجع الحضور العسكري الأميركي، من دون حاجتها إلى تصدّر المشهد أو تحمّل أعبائه. هكذا تستطيع الصين أن تكون شريكاً في رعاية التحول، وأن تمنحه ثقلاً اقتصادياً وسياسياً يعزّز فرص استمراره، بينما تراقب انتقال المنطقة من نظام الحماية الأميركية إلى نظام تتولى دولها صناعة أمنها.

البناء

captcha