حكومة الوحدة الإسرائيلية: توازن العجز وصفقة بقاء نتنياهو
ناصر قنديل
تتقدم فرضية حكومة الوحدة الإسرائيلية كلما اتسعت المسافة بين الفوز بالانتخابات والقدرة على تشكيل الحكومة. فقد يتقدم معسكر المعارضة على معسكر بنيامين نتنياهو ببضعة مقاعد، ويحتفل بإسقاط أكثريته، ثم يكتشف أن إسقاط الحكومة لا يساوي امتلاك حكومة بديلة. هنا تتقاطع ثلاثة عناصر: توازن الأحجام والعجز عن بلوغ أكثرية مستقرّة، وانقسام المعارضة حول الاستعانة بالقوائم العربية، ووجود مصلحة لدى أوساط أميركية في حكومة واسعة يبقى نتنياهو داخل مركز قرارها، بينما يتخلص من عبء بعض حلفائه.
العنصر الأول هو توازن العجز. فالمعركة، وفق استطلاعات الأيام الأخيرة، لا تمنح أياً من المعسكرين طريقاً مضموناً إلى واحد وستين مقعداً. وكتبت شيريت أفيتان كوهين في «يسرائيل هيوم»، يوم 26 تشرين الأول، أن الأرقام تبقي الاحتمالات مفتوحة، من حكومة أقلية إلى انتخابات جديدة. معنى ذلك أن تقدم المعارضة انتخابياً قد يتحول إلى تفويض ناقص سياسياً، فيما يستطيع نتنياهو توظيف تعثر خصومه لإعادة تقديم نفسه شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية للحكم.
العنصر الثاني أن المقاعد العربية، القادرة على ترجيح كفة إسقاط نتنياهو، تتحول عند تشكيل الحكومة إلى اختبار لوحدة المعارضة. وقد شرح شالوم يروشالمي في «تايمز أوف إسرائيل»، بتاريخ 16 تشرين الأول، كيف يغلق أفيغدور ليبرمان طريق حكومة الأقلية برفضه المشاركة فيها أو دعمها، حتى لفترة انتقالية، إذا اعتمدت على الأحزاب العربية. وهكذا تستطيع المعارضة أن تجمع الأصوات ضد نتنياهو، لكنها تعجز عن جمع أصحاب هذه الأصوات حول صيغة للحكم، لأن جزءاً منها يضع إقصاء العرب قبل إقصائه.
من هذه الثغرة يدخل السؤال الذي يستطيع الليكود توجيهه إلى يمين المعارضة: أيهما أقرب إليكم، نتنياهو أم العرب؟ السؤال يكشف حدود الخلاف داخل المعسكر الصهيوني، ويحوّل رفض الشراكة العربية إلى جسر نحو تجديد الشراكة مع نتنياهو. وليس مصادفة أن تحمل مقالة تحليليّة في «هآرتس»، يوم 16 تشرين الأول، عنواناً يربط رفض ليبرمان خطة آيزنكوت بتحوله إلى أمل نتنياهو. فكلما استبعد ليبرمان مخرجاً برلمانياً لخصوم رئيس الحكومة، وسّع مساحة المناورة أمام الرجل الذي يريد إخراجه من السلطة.
أما استعداد نتنياهو للتخلي عن حلفائه، فتدعمه إشارات علنية. نقلت آنا بارسكي في «جيروزاليم بوست»، يوم 26 تشرين الأول، عن السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر أن نتنياهو يفضل حكومة وحدة، وأن بن غفير لن يعود وزيراً للأمن القومي. كما نقلت عن مصادر إسرائيلية وأميركية أنه أبلغ ترامب رغبته في حكومة واسعة. بذلك يصبح غضب بن غفير تعبيراً عن إدراك أن التحالف القائم قابل للمقايضة، متى وجد نتنياهو شركاء يوفرون له استمراراً أقل كلفة.
العنصر الأميركي يتجاوز الرغبة العامة في الاستقرار. فبحسب تقرير بارسكي، تدفع شخصيات في دائرة ترامب نحو حكومة تستبعد بن غفير وسموتريتش، وتناقش بعضها تناوباً يبدأ بنتنياهو، لتسهيل مشاريع إقليمية، أبرزها التطبيع السعودي. لكن التقرير نفسه يذكر أن ترامب لم يتبنَّ المبادرة رسمياً، وأن السفير مايك هاكابي نفى وجود تدخل أميركي لفرضها. نحن، إذن، أمام اتجاه داخل دوائر النفوذ، لا قرار أميركي معلن، ولا اتفاق أُنجز مع المعارضة.
وفي الصحافة الأميركيّة، عرضت «واشنطن بوست»، يوم 26 تشرين الأول، احتمال بقاء نتنياهو عبر حكومة وحدة رغم تقدّم منافسه. أما افتتاحية «وول ستريت جورنال»، بعنوان «هل هذه نهاية بنيامين نتنياهو؟»، فربطت الانسداد الانتخابي بإمكان استمراره أشهراً، وبدلالة ذلك على ملف إيران. تكشف المقاربتان أن انتهاء أكثريته لا يعني، في الحسابات الأميركية المتداولة، انتهاء وظيفته السياسية، وأن الوقت الذي ينتجه العجز عن تشكيل حكومة قد يعمل لمصلحته.
وتضاف إلى ذلك مصلحة نتنياهو الشخصية في الحماية من المحاسبة. فقد جمعت «هآرتس»، في تقرير بتاريخ 30 تموز، بين المحاكمة الجنائية والتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر والملاحقة الدولية، بوصفها أخطاراً تلاحقه عند خسارة السلطة. لا تمنحه الحكومة حصانة قانونيّة تلقائية، لكنها تمنحه نفوذاً للتفاوض على شروط التحقيق، ومقاومة العزل، وطلب تسويات. وهكذا قد تصبح حكومة الوحدة مظلة حماية سياسية، ويصبح ثمن مشاركته فيها تخفيف اندفاع خصومه نحو مساءلته.
تبقى العقبة أن آيزنكوت تعهد رفض حكومة مع نتنياهو، حتى بصيغة التناوب. وهذا يجعل فرضية الوحدة معركة ضغط على تعهده. يستطيع نتنياهو عرض تنازلات لحلفائه الجدد، ثم استخدام خبرته وتناقضاتهم لاستعادة السيطرة على القرار. وإذا وقع الاختيار بين انتخابات متكررة وحكومة تعتمد على العرب وحكومة معه، فسوف يعمل على جعل الخيار الثالث يبدو الأقل كلفة. عندها تكون الوحدة تسوية بين عجز المعارضة عن الحكم وحاجته إلى البقاء، ويصبح استقرار “إسرائيل” العنوان الذي تُمرَّر تحته صفقة إنقاذه.