لولا يقلب المعادلة: البرازيل تعيد فتح القارة
– لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مجرّد تجديد لولاية رئاسية. فقد جاء انتصاره بعدما تصدّر منافسه فلافيو بولسونارو الدورة الأولى بنحو 47% مقابل 45%، قبل أن يقلب لولا النتيجة ويحصد قرابة 51.8% في الدورة الثانية. وللمرة الأولى منذ استعادة الانتخابات الرئاسية المباشرة، يخسر متصدّر الجولة الأولى المنافسة النهائية. بذلك تجاوز الحدث حدود التنافس بين مرشحين، ليصبح اختباراً لقدرة التعبئة الشعبية على تغيير اتجاه بدا محسوماً لمصلحة اليمين.
– تبدأ خصوصيّة الانتصار من أن لولا خاض المعركة حاملاً أثقال الحكم. فالمرشح المعارض يستطيع تحميل السلطة مسؤولية الغلاء والجريمة والخيبات، بينما يُطالب الرئيس بتفسير كل ما لم يتحقق. وبعد عقود من الحضور السياسي، تتراجع أيضاً جاذبية الوعد بالجديد، ويصبح العمر وطول البقاء في المشهد مادة يستخدمها الخصوم لتصوير التغيير باعتباره خروجاً من تجربة استنفدت أغراضها. لذلك لم تكن الرئاسة ميزة انتخابية صافية للولا؛ كانت عبئاً احتاج إلى قوة اجتماعية تتجاوز جهاز السلطة كي يتغلب عليه.
– وتوضح المقارنة التاريخية حجم التحول. خسر لولا انتخابات 1989 و1994 و1998، قبل أن يفوز عام 2002، ثم يجدد ولايته عام 2006، ويعود إلى الرئاسة بانتخابات 2022. في انتصاراته السابقة كان متقدّماً في الدورة الأولى، حتى عندما احتاج إلى جولة ثانية لحسم المنافسة. أما هذه المرّة، فقد اضطر إلى استعادة المبادرة من موقع المتأخّر، وفي مواجهة خصم استثمر إرث عائلة بولسونارو ومزاج الاعتراض على الحكومة. إنها أصعب معادلاته الانتخابية: أن يدعو الناس إلى التغيير عبر إبقائه في الحكم.
– هنا يظهر معنى قوة الشعب. أضاف لولا أكثر من عشرة ملايين صوت إلى رصيده بين الدورتين، مستنداً إلى تعبئة أعادت ناخبين إلى صناديق الاقتراع ووسّعت دائرة المؤيدين. لم تكن النتيجة مجرد انتقال حسابي لأصوات مرشحين خرجوا من السباق؛ كانت استنهاضاً اجتماعياً وسياسياً حول مصير الديمقراطية والحماية الاجتماعية والسيادة الوطنية. وقد تحولت صدمة الدورة الأولى إلى إنذار: الامتناع عن التصويت يمكن أن يسلّم البلاد إلى مشروع لا يكتفي بتغيير الرئيس، بل يسعى إلى تغيير وجهة الدولة.
– ويتضاعف وزن الانتصار لأن البرازيل أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، وركن أساسيّ في مجموعة بريكس. استمرار لولا يحفظ للقارة مركز ثقل يستطيع توسيع العلاقات مع الصين والدفاع عن استقلال القرار الاقتصادي والسياسي. كما يوقف سلسلة انتصارات لليمين، ويمنح القوى الشعبية التي تلقت الهزائم دليلاً على أن الاتجاه القاري قابل للعكس. ليست البلدان جزرًا منفصلة؛ فحين تصمد البرازيل، تتسع أمام جيرانها مساحة المناورة، وتصبح كلفة الانفراد بكل دولة أعلى.
– وفي مقابل المسار الذي شهدته فنزويلا، يفتح الفوز البرازيلي اتجاهاً معاكساً لمحاولة إعادة ترتيب القارة تحت المظلة الأميركية. فواشنطن تحتاج إلى تحويل المكاسب المتفرقة إلى منظومة متماسكة، تتكامل فيها الحكومات المتحالفة معها وتضيق خلالها خيارات الحكومات المستقلة. وبقاء البرازيل خارج هذه المنظومة يعطل اكتمالها؛ إذ يصعب رسم مستقبل أميركا الجنوبية وتقرير شراكاتها التجارية ومصير مواردها، بينما تحتفظ أكبر دولها بقيادة تتمسّك بتعدد العلاقات والشركاء.
– ومن هذه الزاوية يمكن قراءة دور التراجع الأميركي العالمي في صناعة المناخ الذي احتضن النتيجة. فقد جعل دعم ترامب لمعسكر بولسونارو وضغطه التجاري على البرازيل مسألة السيادة جزءاً من المعركة الانتخابية. وحين تتدخل قوة خارجية لترجيح كفة مرشح، فإنها تمنح منافسه فرصة تحويل الدفاع عن برنامجه إلى دفاع عن كرامة البلاد. وقد ساعدت الضغوط الأميركية لولا على مخاطبة ناخبين أوسع من قاعدته الحزبية، باعتبار الاقتراع قراراً بشأن من يملك حق اختيار مستقبل البرازيل.
– لا تغيب هنا الصلة بفشل الحرب على إيران، على مستوى الدلالة الاستراتيجية: تعثر تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية يضعف صورة القدرة الأميركية على فرض الإرادة. وكلما اتسعت المسافة بين التهديد والإنجاز، تراجعت جاذبية الرهان على الحماية الأميركية، وتعززت قابلية الشعوب لتصديق إمكان الاستقلال. بهذا المعنى، تلتقي مقاومة الإكراه في الشرق مع مقاومته انتخابياً في الجنوب الأميركي، ضمن عالم تتراجع فيه فعالية القوة المنفردة وتزداد فرص تعدد المراكز.
– وتصل الرسالة إلى الداخل الأميركي أيضاً، حيث تتهيأ معارك التغيير المقبلة. فالتعبئة تستطيع هزيمة الشعور بأن انتصار اليمين حتمي، والسيادة والعدالة الاجتماعية تستطيعان بناء أكثرية تتجاوز الانقسامات التقليدية. فاز لولا رغم استهلاك السلطة وثقل السنوات وانتكاسة البداية، لأن قطاعات شعبية قررت أن ما يستحق الدفاع عنه أكبر من الاعتراض على الرئيس. وهكذا أعادت البرازيل فتح مستقبل القارة أمام الاحتمالات، وأثبتت أن الشعوب تستطيع قلب الاتجاه حين تستعيد ثقتها بقوتها.