نتنياهو منبوذ في «إسرائيل» ومَن في السلطة اللبنانية يتسابق على استرضائه!
عباس المعلم
بلغت المفارقة السياسية في لبنان مستوى فاضحاً من الانحدار، حين بات بعض أهل السلطة والقوى السياسية يتعاملون مع العدوان “الإسرائيلي” بمنطق المسايرة والتكيّف مع شروطه، بدلاً من مواجهته بكلّ ما تملكه الدولة من أدوات سياسية ودبلوماسية وقانونية. فبينما تُدمَّر الأراضي اللبنانية، ويُقتل الأبرياء، وتُهجَّر العائلات، ويُفرَض الاحتلال بقوة النار، تنصرف هذه القوى إلى معاركها الداخلية، وكأنّ الخطر على لبنان ليس في آلة الحرب “الإسرائيلية”، بل في كلّ من يعارض شروطها وإملاءاتها. والأشدّ استفزازاً أنّ بعض الخطابات السياسية اللبنانية باتت تتقاطع عملياً مع أهداف نتنياهو، حتى ليبدو أنّ إرضاء حكومته تقدّم على واجب الدفاع عن السيادة الوطنية. إنها مفارقة تضع أصحاب هذه المواقف أمام سؤال أخلاقي وسياسي ثقيل: كيف يمكن لسلطة أن ترفع شعار السيادة، ثم تتعامل مع انتهاكها وكأنه تفصيل قابل للمساومة؟
والأكثر إثارة للسخط أنّ نتنياهو نفسه، الذي يتسابق بعض السياسيين اللبنانيين إلى مراعاة مطالبه، يواجه داخل “إسرائيل” معارضة تتهم سياساته بإلحاق أضرار سياسية واقتصادية ودبلوماسية جسيمة بها. فقد حذّر زعيم المعارضة يائير لابيد من تداعيات سياساته على مكانة “إسرائيل” وعلاقاتها الخارجية. وهنا تتكشّف المفارقة بأقسى صورها: شخصيات “إسرائيلية” تحاسب نتنياهو انطلاقاً من مصالح كيانها، فيما تنشغل قوى لبنانية بتبرير مقاربات سياسية تتجاهل كلفة عدوانه على لبنان. أيُّ اختلالٍ في البوصلة الوطنية يجعل بعض اللبنانيين أكثر انشغالاً بمطالب حكومة الاحتلال من انشغالهم بالأرض المحتلة والبيوت المهدّمة والعائلات المشرّدة؟ وأيُّ معنى يبقى للسيادة عندما يتحوّل المعتدي إلى صاحب شروط، ويتحوّل المعتدى عليه إلى طرف مطالَب بتقديم التنازلات؟
ليست المأساة في وجود خلاف لبناني حول السلاح أو الحرب والسلم، فذلك نقاش سياسي مشروع، بل في استخدام هذا الخلاف لتهميش مسؤولية “إسرائيل” عن اعتداءاتها، وتحويل الضحية إلى متّهم دائم، والمعتدي إلى مرجعية تُراعى مطالبه. إنّ السلطة التي تريد استعادة هيبة الدولة مطالبة أولاً بإثبات قدرتها على الدفاع عن حقوق مواطنيها، لا الاكتفاء بإدارة التوازنات الداخلية على وقع الغارات والاحتلال. فالسيادة ليست خطبة تُلقى في القصور، ولا بياناً يُصاغ على قياس العواصم الأجنبية، ولا راية تُرفع في وجه فريق لبناني وتُطوى أمام الجيش “الإسرائيلي”. ومن حق اللبنانيين أن يسألوا، بقدر بالغ من الغضب والسخط: كيف يُطلب منهم الإيمان بدولة لا تجعل تحرير أرضها وحماية شعبها أولوية لا تقبل المقايضة؟ إنّ التاريخ لا يحاسب السلطات على بلاغة بياناتها، بل على مواقفها حين تُستباح الأرض وتُسفك الدماء، وحين يصبح الصمت السياسي أثقل من كل الكلام…!