التهديد بالحرب لتسويق الاتفاق؟
– تتحرك وراء ضجيج التهديد الأميركي بالحرب ديناميكية تفاوضية تتوزع ملفاتها بين أكثر من وسيط لم ينجح أي منهم بعد في تحقيق اختراق فعلي، لكنهم يواصلون بما يبدو أنه تقدم بطيء وأفق مفتوح. بدأها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير من بوابة هرمز ووقف الحرب، وتابعها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بمبادرة حول الملف النووي، ويواصلها القطريون عبر البحث في الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. وبين وجود الوفد القطري في طهران واستعداد الرئيس مسعود بزشكيان للقاء الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو، يصبح السؤال، هل يجري إعداد حرب جديدة، أم إعداد الشروط التي تسمح بإعلان اتفاق يستطيع كل طرف تقديمه باعتباره إنجازاً؟
– تحتاج الحرب إلى هدف سياسي يمكن للقوة العسكرية تحقيقه. وعندما تتكرر التهديدات دون أن تغيّر مواقف الخصم، يصبح البحث واجباً في قدرة تنفيذها على إنتاج التغيير. ما الذي ستفعله حرب جديدة ولم تفعله الحروب السابقة؟ وأي رهان جديد تملكه واشنطن بعدما اختبرت تدمير المنشآت، واغتيال القادة، ومحاولة تفجير الداخل، والضغط الاقتصادي، وفرض الوقائع البحرية؟ امتلاك القدرة على التدمير لا يجيب عن سؤال القدرة على فرض التسوية المطلوبة، خصوصاً عندما يحتفظ الطرف المقابل بوسائل تجعل التدمير متبادلاً.
– في حرب حزيران، كان الهدف المعلن تدمير البرنامج النووي، وكان الرهان اختبار قدرة “إسرائيل” على تحقيق الحسم دون مشاركة أميركية مباشرة. كشفت المواجهة حدود هذا الرهان، وانتهت بتدخل أميركي أراد تسجيل ضربة كبيرة وإغلاق الجولة، مع تفادي الانزلاق إلى حرب استنزاف تفرضها الردود الإيرانية. بقيت المعرفة النووية، وبقيت الدولة التي تحتضنها، وبقي السؤال عن كيفية تحويل الضربات إلى نتيجة سياسية دائمة بلا جواب.
– وفي الجولة الثانية، انتقل الرهان إلى الداخل الإيراني، عبر الاستثمار في الاحتجاجات الاقتصادية وتحويل شبكات الاختراق إلى أداة انقلاب. كان المطلوب وصل الاضطراب الاجتماعي بالفعل الأمني والإعلامي، وإنتاج مشهد يوحي بأن الدولة تفقد السيطرة. لكن التحسب التقني الإيراني، وتعطيل قنوات الاتصال التي عوّلت عليها الشبكات، خصوصاً عبر أجهزة ستارلينك، والحسم الميداني السريع، ما أسقط فرصة تحويل الاحتجاج إلى انهيار. ولم تنتج المواجهة القيادة البديلة التي انتظرها أصحاب الرهان.
– أما الحرب الثالثة، فقامت على خطة أميركية بمشاركة إسرائيلية، تجمع قتل القادة وتدمير البنى والمقار العسكرية والصاروخية والبحرية والدفاعات الجوية. وخلال أربعين يوماً من القصف الكثيف، ظهر أن حجم النيران لا يساوي حجم النتائج. جاء الرد الإيراني مؤلماً، فضُربت القواعد الأميركية في المنطقة، وتعرضت “إسرائيل” لضربات قاسية، وتحول هرمز إلى جبهة تتحكم بتدفقات الطاقة وكلفتها. انتقلت الحرب من حساب المنشآت الإيرانية المدمرة إلى حساب قدرة الاقتصاد العالمي والدفاعات الأميركية والإسرائيلية على الاحتمال.
– ارتفعت أسعار الطاقة، وتعطلت مسارات إمدادها، وتصاعد استهلاك الصواريخ الاعتراضية، وبدأ استنزاف الاحتياطيات النفطية لتخفيف الصدمة. عند هذه الحدود ولدت مذكرة التفاهم، حاملة شبهاً باتفاق عام 2015 الذي انقلب عليه ترامب. عاد التفاوض إلى البرنامج النووي والعقوبات والضمانات، وقبلت واشنطن عملياً البحث في اتفاق لا يتوقف على إنهاء برامج الصواريخ والمسيّرات وتفكيك قوى المقاومة. ضاقت المسافة بين ما كانت تقول إنه مستحيل القبول وما أصبحت تفاوض عليه.
– بعد المذكرة، ظهرت رهانات إضافية لتحسين شروط التفاوض: فتح هرمز بالقوة، وقلب المعادلة في اليمن، وتحقيق الأمن الإسرائيلي في لبنان عبر اتفاقات مع السلطة اللبنانية. لكن هذه المسارات لم تنتج التحول الذي احتاجته واشنطن. بقي المضيق مصدر ضغط، وتحوّلت الحرب اليمنية إلى استنزاف، وظلت القدرة على فرض ترتيبات لبنانية تحقق المطالب الإسرائيلية محكومة بموازين القوة. وهكذا عاد التفاوض محمّلاً بحصيلة إخفاق الرهانات التي أُريد لها أن تغني عنه.
– ما السيناريو المختلف لحرب جديدة؟ تدمير النفط والكهرباء في إيران يفتح باب استهداف النفط والكهرباء والمنشآت الحيوية في المنطقة و”إسرائيل”. وتوسيع الهجمات يوسّع الحاجة إلى الاعتراض، فيما المخزونات تحتاج إلى سنوات لتعويضها. وحشد حاملات الطائرات والسفن الحربية يزيد القوة المتاحة، ويزيد أيضاً الأهداف المعرضة للخطر. تصبح المغامرة اختباراً لاحتمال نفاد الدفاعات وإصابة القطع البحرية، دون ضمان انتزاع تنازل إيراني يبرر هذه الكلفة.
– من هنا يمكن فهم التصعيد بوصفه محاولة لبناء رواية الاتفاق المقبل، لقد هددنا بالحرب، فجاء الآخر إلى التسوية. وربما تكون صيغة منقحة من مذكرة التفاهم قيد الولادة، ينقصها نظام ضمانات يمنح إيران الثقة بتنفيذ الالتزامات، ويمنح أميركا إمكان تقديم النتيجة باعتبارها مكسباً. وهنا تتقدم موسكو وبكين، بما تملكانه من علاقات وقدرات ومصالح في استقرار الطاقة والممرات. والمفارقة أن الحرب التي راهنت على إسقاط إيران لمحاصرة روسيا والصين في أقصى الشمال وأقصى الشرق، قد تنتهي بطلب دورهما لضمان الخروج منها.
البناء