الجمارك… يغني لبنان عن صندوق النقد؟
أحمد بهجة
ليس جديداً في لبنان الحديث عن إصلاحات إدارية هنا وهناك، وعن تفعيل المؤسسات والإدارات العامة وجعلها منتجة ومفيدة للخزينة العامة، وأيضاً جعلها قادرة على تقديم أفضل الخدمات للمواطنين مقابل ما يدفعونه من رسوم وضرائب…
لكن الأمور لا تسير على هذا النحو في أغلب الأحيان، إذ نادراً ما يشعر المواطنون بأنّ مؤسسة ما قد اصطلحت أمورها وباتت تؤدّي واجباتها على أكمل وجه، وإذا حصل ذلك فعلاً فإنه يكون مؤقتاً ومرهوناً بوجود شخص أو إدارة معيّنة على رأس المؤسسة المقصودة، وما أن يتغيّر الشخص أو الإدارة حتى تعود المؤسسة إلى صف مثيلاتها لتعاني التراجع والترهّل، ولتصبح موضع تندّر بين الناس بأنّ تلك المؤسسة كانت قدوة ومثالاً ولم تعد كذلك…
هذا الكلام ينطبق على مختلف الوزارات والمؤسسات والإدارات العامة في الدولة اللبنانية، لكن موضوعنا اليوم هو عن الجمارك حيث نسارع إلى القول إنّنا لا نستهدف إدارة بعينها إنما نريد الإضاءة على مكامن الخلل حتى يصبح ممكناً الحديث عن الإصلاح وإمكانية تصويب العمل وجعله يصل إلى المستوى المطلوب، وهذا طبعاً ما تتوخاه الإدارة التي تريد أن تكون ناجحة بطبيعة الحال.
والحديث عن الجمارك متشعّب ومتعدّد الجوانب، لأنّ المسألة لا تعني الإدارة فقط بل تطال المستوردين والتجار والمستهلكين، وهذه الدورة المتكاملة تعتريها في غالب الأحيان شوائب كثيرة ليس أقلها مكافحة التهرّب من دون أن يعني ذلك أنّ كلّ المستوردين متهمّون بأنهم “مهرّبجيّي”، وهذا ما يؤدّي إلى خسارة لبنان العديد من المستثمرين الذين يرفضون هذا الاتهام، الأمر الذي يضرّ بالاقتصاد الوطني ويزيد البطالة والفقر ويضغط على الميزان التجاري.
المطلوب هنا هو تطبيق القوانين على الجميع والالتزام بها بشكل كامل من دون مراعاة أحد، وأيضاً مطلوب من الإدارة أن تجعل المستوردين يشعرون بأنهم موضع ثقة، لا أن يُنظر إلى الجميع من زاوية أنّ “كلّ مستورد متّهم حتى تثبت براءته”!
وهذا ينطبق على كلّ الدولة بمختلف إداراتها ومؤسساتها، إذ لا تستطيع أيّ سلطة الحديث عن الثقة طالما أنّ أصحاب الودائع لم يستعيدوا مدّخراتهم بالكامل، وهذه خطوة لا بدّ للدولة أن تقوم بها، أو على الأقلّ أن تبرهن بالملموس أنها ستقوم بها في أوقات محدّدة وفي مواعيد معلنة وواضحة أمام الجميع.
إذا تحقّق هذا الإنجاز الكبير يصبح ممكناً الحديث عن التعامل بجذرية مطلقة لإصلاح وتحديث كلّ القطاع العام بمؤسّساته وإداراته كافة، وإعادة الزخم إلى الدورة الاقتصادية لكي نخرج من حالة الركود والجمود القاتلة، ونعود مجدّداً إلى سكة النهوض والسّير إلى الأمام…
إزاء ذلك، ليس هناك ما يلزمنا بالانصياع لشروط صندوق النقد الدولي مقابل وعد بالحصول على 3 مليارات دولار على 4 سنوات، وهو أمر من شأنه أن يضرب الاقتصاد لا أن ينعشه كما يحاول البعض أن يسوّق لدى اللبنانيين…
نحن لسنا بحاجة إلى وعود ورقية من صندوق النقد، إنما المطلوب من السلطة العمل بجدية لاستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، وضبط الإنفاق من خلال ترشيد الإنفاق والاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية والبشرية وإغلاق مزاريب الهدر والتهرّب، ووقف كلي للتوظيف العشوائي والسياسي، ووضع البرامج اللازمة لتشجيع المستثمرين واستقطاب الاستثمارات.
وإذا اتخذت السّلطات المعنية المزيد الإجراءات المتشددة وتمّ تحقيق خطوات إضافية في ضبط التهرّب، يمكن أن تحقق الجمارك إيرادات تزيد عن ما يمكن أن يقرضنا إياه صندوق النقد الدولي، ومن باب الإنصاف لا بدّ من الإشارة إلى التحسّن الكبير في الإيرادات خلال السنتين الماضيتين نتيجة الإجراءات الجدية لمكافحة التهرّب، وهذا ما نأمل أن يستمرّ وصولاً إلى منع التهرّب كلياً، ما يغنينا عن المزيد من الاستدانة ودفع الفوائد والارتهان لصندوق النقد ولمَن يقف خلف صندوق النقد…