الصوت العربي بيضة قبّان الانتخابات الإسرائيلية؟
ناصر قنديل
لم يكن النقاش بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 حول المشاركة في انتخابات الكنيست مجرد خلاف على جدوى الحصول على مقاعد برلمانية. كان، في عمقه، نقاشاً حول طريق التغيير، هل يمكن انتزاع المساواة وتعديل وجهة الدولة عبر مؤسساتها، أم أن هذه المؤسسات محكومة ببنية استعمارية عنصرية، لا تتراجع إلا أمام ميزان قوى يصنعه النضال الشعبي والسياسي، ويتكامل مع النضال الوطني الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وتفكيك نظام التمييز العنصري؟
راهن الاتجاه الأول على توسيع التمثيل العربي، وبناء تحالفات تتيح التأثير في التشريع والميزانيات والسياسات، وتحويل الثقل الانتخابي إلى قوة تفاوضية. وفي مواجهته، رأى اتجاه المقاطعة أن المشاركة تمنح النظام شهادة ديمقراطية يستخدمها لتغطية جوهره، بينما تبقى الأرض والهوية والحقوق الوطنية خارج قدرة البرلمان على التغيير. وبين الاتجاهين امتدت مساحات جمعت العمل البرلماني بالنضال الشعبي، من دون اعتبار الكنيست بديلاً من الشارع، أو اختزال القضية الفلسطينية في تحسين شروط المواطنة.
جاء قانون القومية عام 2018 ليمنح دعاة المقاطعة حجة ثقيلة. فعندما تحصر الدولة حق تقرير المصير باليهود، يصبح السؤال عن سقف المساواة مشروعاً، فكيف يستطيع المواطن العربي تغيير دولة تعرّف نفسها دستورياً باعتبارها ملكاً قومياً لجماعة تستبعده؟ عزّز القانون الشعور بأن المشكلة تتجاوز حكومة متشددة إلى تعريف الدولة ذاتها، وغذّى الدعوات إلى مقاطعة انتخابات 2019. صار الامتناع، لدى قطاعات عربية، تعبيراً عن رفض قبول موقع المواطن الذي يُطلب منه التصويت فيما تُغلق أمامه أبواب الشراكة المتكافئة.
اليوم يتغير السؤال تحت وطأة حروب بنيامين نتنياهو والإبادة في غزة. لم تعد المشاركة مشروطة بإثبات وجود بديل إسرائيلي جاهز للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، ولا بتجدد الثقة بقدرة الكنيست على إنتاج المساواة. يتقدم هدف مباشر، إسقاط نتنياهو. يصبح إبعاده عن الحكم غاية سياسية قائمة بذاتها، لأن بقاءه يعني استمرار مركز القيادة الذي جمع الحرب والاستيطان والتحريض العنصري وتقويض القضاء في مشروع واحد، ومنح القوى الأكثر توحشاً قدرة غير مسبوقة على التحكم بمستقبل المنطقة.
تجاوز نتنياهو موقع رئيس حكومة يقود ائتلافاً انتخابياً. تحول إلى زعيم استثنائي لكتلة عنصرية متوحشة، يشكل المستوطنون الذين ينهشون الضفة الغربية لصالح مشروع الاقتلاع قاعدتها الأكثر اندفاعاً وتنظيماً. هؤلاء يرون في كل أرض فلسطينية مجالاً للتوسع، وفي كل تراجع حكومي خيانة لوعد ديني وقومي. وقد وفّر التحالف بينهم وبين السلطة غطاءً سياسياً وأمنياً لتوسيع اعتداءاتهم. لذلك تحمل إطاحة نتنياهو معنى إصابة مركز تماسك هذه الكتلة، وفتح التناقضات التي استطاع احتواءها وتوظيفها.
من هنا تأتي خصوصية التحول داخل المجتمع العربي. يستطيع فلسطيني أن يبقى مقتنعاً بعجز المؤسسات الإسرائيلية عن إنصاف شعبه، وأن يقرر التصويت لمنع تجديد التفويض لهذه القيادة. المشاركة هنا أداة لتعطيل مشروع محدد. ويعبّر خطاب القائمة المشتركة عن هذا الاتجاه عندما يضع إسقاط حكومة نتنياهو وحلفائه في المقدمة، ويطرح التأثير من خارج الحكومة. فالمطلوب توظيف المقاعد لإغلاق طريق عودة اليمين المتطرف، مع الاحتفاظ بحرية مواجهته ومواجهة سياسات أي حكومة بديلة.
تكتسب معركة رفع المشاركة معناها من هذه الحسابات. يتحدث قادة المشتركة عن إمكان تحويل التصويت العربي إلى قوة حاسمة إذا بلغت المشاركة 70% أو تجاوزتها. وقد ربط يوسف جبارين بلوغ هذه العتبة بمنع نتنياهو من تشكيل حكومة، بينما تحدث أحمد الطيبي عن أثر مشاركة تبلغ 70 و71 و72%. هذه النسب عنوان تعبئة وطموح سياسي، وتكشف حجم الرهان على انتقال الغضب العربي من الاحتجاج إلى صندوق الاقتراع، ليصبح الصوت العربي بيضة القبّان.
إسقاط نتنياهو يفتح أيضاً مرحلة صراع، لأن السياسة الإسرائيلية ليست جاهزة لبديل مستقر. المعارضة تجمع قوى متباعدة يوحدها التخلص منه، وتفرقها قضايا الدين والدولة والتجنيد والقضاء والعلاقة بالفلسطينيين. وسوف تستنزف هذه الخلافات مؤسسات الحكم والمجتمع، فيما تواجه أي محاولة لتغيير الاتجاه كتلة استيطانية مسلحة اعتادت فرض الوقائع. ويظل احتمال رفض فريق نتنياهو وحلفائه نتائج تُبعدهم عن السلطة، ومحاولة بعض قواهم استخدام السلاح لفرض إرادتهم، احتمالاً سياسياً يستحق الحساب، من دون اعتباره مصيراً محسوماً، لكنه يشجع على أهمية إسقاط نتنياهو وترك طرفي الكيان المحتل ينشغلون عن الفلسطينيين بأنفسهم.
بهذا المعنى، يذهب قطاع واسع من فلسطينيي الداخل إلى الانتخابات بوعي حدودها، بهدف يتقدم على الخلاف التاريخيّ حولها. يريدون حرمان نتنياهو من تفويض جديد، وفتح باب إعادة تشكيل السياسة الإسرائيلية تحت ضغط تناقضاتها. وقد تكون المفارقة الأشد دلالة أن يصبح المواطنون الذين عمل اليمين على إقصائهم أصحاب القدرة على تعطيل استمراره. يأمل دعاة المشاركة أن يغدو الصوت العربي قوة تفرض حضورها في لحظة تقرير وجهة الحكم، وتضع مشروع الاقتلاع أمام أزمة سياسية داخلية يصعب عليه تجاوزها بالوسائل التي اعتادها.