فرنسا تختبر الحل الأمني في مواجهة أزمة بنيوية
تختصر صورة السيارات المحترقة في فرنسا ما تريد السلطة عرضه، وتحجب ما ينبغي أن تجيب عنه: لماذا يعود الغضب وتتسع قاعدته، ولماذا تعجز الحكومات المتعاقبة عن بناء استقرار اجتماعي؟ تبدأ القراءة الحكومية من لحظة الاشتباك مع الشرطة، وتبدأ القراءة الإعلامية المهيمنة من مشاهد النهب والتخريب، ثم يتقدم خطاب يربط الأزمة بالمهاجرين. هكذا تختفي المدرسة المتداعية، والأجور التي يلتهمها الغلاء، وفاتورة الطاقة، ليصبح النقاش حول الوسيلة الأمنية المناسبة لإعادة الناس إلى بيوتهم، بدلاً من سؤال السياسات التي دفعتهم إلى الشارع.
تكشف بداية الاحتجاجات الراهنة مقدار هذا الاختزال. فقد انطلقت من اعتراض طلاب المدارس الثانويّة على نقص المدرسين وتدهور شروط التعليم، ثم اتسعت لتشمل مطالب تتصل بالإنفاق العام ومستوى المعيشة، وانضمّت إليها النقابات وقطاعات من حركة السترات الصفراء. هذه نقطة الانطلاق التي تغيّر معنى المشهد: المجتمع يحتج على تراجع شروط حياته، بينما تعيد السلطة تعريف الاحتجاج انطلاقاً من أعمال العنف التي رافقته. وتصبح معالجة النتائج بديلاً من معالجة الأسباب، ويُستدعى الأمن لسد الفراغ الذي تركته السياسة الاجتماعية.
هذه وصفة جُرّبت طوال عقود. بين اضطرابات الضواحي عام 2005 وانفجارها مجدداً عام 2016 ثم عام 2023، تراكمت القوانين والإجراءات والخطط الأمنية، وبقيت قابلية الانفجار قائمة. وقد أقرّ تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي عن أحداث 2023 بأن ما جرى يتجاوز واقعة عابرة يمكن طيّها بعد عودة الهدوء. كذلك كشفت حركة السترات الصفراء أن الغضب الاجتماعي يعبر الأصول والألوان والجغرافيا. لم تمنع القبضة الأمنية تكرار الاحتجاجات، ولم تمنح الحكومات حصانة من الاهتزاز والسقوط، لأن شرعية الحكم تحتاج إلى أكثر من القدرة على إخلاء الساحات.
تقف خلف الأزمة الفرنسية أزمة أوسع في النموذج الأوروبي. فقد بُني جانب من ازدهاره على طاقة متاحة بكلفة تنافسيّة، وصناعة قادرة على التصدير، وحماية عسكرية أميركية تخفف أعباء الدفاع، ودولة اجتماعية تعيد توزيع جزء من الثروة. واليوم تتآكل هذه المرتكزات معاً. جاءت حرب أوكرانيا والانقطاع الواسع عن موارد الطاقة الروسية ليرفعا كلفة الإنتاج، بالتوازي مع أعباء دعم الحرب وإعادة التسلح. وكان تقرير ماريو دراغي للمفوضية الأوروبية قد سجّل أن الشركات الأوروبية تواجه أسعار كهرباء تعادل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف الأسعار الأميركية، وأسعار غاز أعلى بأربعة إلى خمسة أضعاف.
ثم جاءت حرب دونالد ترامب على إيران لتضاعف المأزق؛ حيث أوروبا التي دفعت كلفة خسارة الطاقة الروسية تلقت صدمة اضطراب الإمدادات من الخليج، بينما تتقاطع مخاطر هرمز وباب المندب لترفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين. تنتقل الحرب إلى المصنع والمتجر والمنزل، ويُطلب من المواطن تحمّل الغلاء، ثم قبول التقشف لتصحيح المالية العامة. وقد ربطت تقارير أوروبية موجة الاحتجاجات بارتفاع أسعار الطاقة، ونقلت اعتراض متظاهرين على تمويل الحرب الأوكرانية بينما تتراجع الخدمات التعليمية. هنا يتحول الخيار الخارجي إلى أزمة شرعية داخلية.
المفارقة أن هذه الأثمان لا تقابلها قدرة أوروبية موازية على تقرير مسار الحروب والتسويات. كلما خفّضت واشنطن استعدادها لتحمّل موقع خط الدفاع الأول في أوكرانيا، انكشف حجم اعتماد أوروبا عليها، وبرزت الفجوة بين طموح الاستقلال الاستراتيجي وأدوات تحقيقه. وتزداد قسوة المفارقة حين يبحث ترامب عن تخفيف أزمة الوقود عبر تسهيل مبيعات الديزل الروسيّ، بعدما دفعت أوروبا أثمان المواجهة الاقتصادية مع موسكو. تجد القارة نفسها أمام فاتورة متصاعدة ونفوذ محدود، فيما تتبدّل الأولويات الأميركية وفق حسابات واشنطن الانتخابية، لتفضح للشعب سوء السياسات وحجم غباء النخبة الحاكمة.
من هذا الفشل يتغذّى صعود اليمين بخطاب الانعزال واستعادة الحدود والأولوية الوطنية. لكنه يحوّل الاعتراض على السياسات الاقتصادية والحروب إلى خصومة مع المهاجرين، ويستدرج قطاعات من الفرنسيين البيض إلى اعتبار جيرانهم ذوي البشرة السمراء سبب تراجع معيشتهم. وتكشف إعادة تقديم الاحتجاجات باعتبارها «فوضى مهاجرين» كيف يجري نقل المسؤولية من القرار السياسي إلى هوية السكان. ويصبح الفرنسي، المولود في فرنسا، مطالباً بإثبات انتمائه كلما انفجرت أزمة، فتنتج الإهانة المتكررة شعوراً بالإقصاء يزيد التوتر الذي يزعم الخطاب العنصريّ أنه يعالجه.
وفي المقابل، يخاطب اليسار أبناء الهجرة وضحايا التمييز، ويجد في الدفاع عنهم قاعدة انتخابية، بينما يقترب اليمين التقليدي من جمهور اليمين المتطرف باستعارة لغته الأمنية. يصبح خطر المنافسة أن ينقسم المجتمع إلى خزانات أصوات تتنازعها الأحزاب، ويغيب المشروع الذي يجمعه حول حقوق مشتركة. تحتاج فرنسا إلى مدرسة وخدمات وأجور وسياسة طاقة، وإلى مراجعة موقعها في الحروب التي تدفع كلفتها. تستطيع الشرطة تفريق تظاهرة، لكن استعادة الاستقرار تبدأ حين يجد الناس أسباباً للثقة بالغد، وحين تتوقف السلطة عن مطالبتهم بدفع الفاتورة ثم معاقبتهم على الاعتراض.
البناء