kayhan.ir

رمز الخبر: 232026
تأريخ النشر : 2026October23 - 22:19

العالم بين مضيقين وأميركا في بحر لجي

محمد صادق الحسيني

 في روايته “الحرب والسلم” حاول تولستوي، الكاتب الروسي الشهير، أن يقول إنّ نابليون كان في غنى عن الحرب لنشر مبادئ الثورة الفرنسية، ظناً منه أنّ العالم سيبتعد عن الحرب لمصلحة السلام.

لكن العالم الغربي، على ما يبدو، في زمن ترامب بات أكثر دناءة وحقارة بحيث إنّ الحرب أصبحت لديه أداة للتوحش وسلب كلّ حاجات البشرية والاستحواذ عليها.

إذ تكاد كلّ العوامل الآن تختفي أمام تقدّم عالم القوة الفجّة والمتوحشة الذي يطغى على كلّ مقدرات البشرية منذ حرب الإبادة على غزة وصولاً إلى ما يجري الآن يومياً في جنوب لبنان.

وكأنّ السلام أو الصلح أمر مؤقت ومشهدية كاذبة وزائفة وليست سوى مرحلة أو محطة بين حربين، ما إن نحاول قراءة مشهدية لتهدئة ما حتى تشتعل حرب أكثر شدة من سابقتها.

حتى السياسة التي كانت يوماً أداة بيد الحكام لبلوغ مبتغاهم، والحرب كانت استمراراً لها كما يقول كلاوزفيتز في إطار الصراع على المصالح بين الدول، فقد أصبحت اليوم معجونة بالنفعية المباشرة الخسيسة لهذه العصابة أو تلك ممّن يمسكون باقتصاديات دول وإمارات عالمية… لتصبح بذلك جيوسياسة في خدمة المصالح الضيقة لأولئك الزعماء الذين يفتقرون إلى أبسط قواعد القانون الدولي، بل حتى القانون الخاص في بلدانهم.

إذن نحن في زمن الحرب التي تنشب هنا وهناك وقد تستعر إلى أعلى الدرجات بناءً على رغبات أنانية لأولئك الزعماء المتوحشين العالميين ومصالح عصاباتهم القذرة التي تتحكم بالماء والهواء والحركة بين الأرض والسماء…

وها هو العالم يكاد يحبس أنفاسه جراء أفعال اثنين من هذا الصنف من المتنمّرين من زعماء العصابات الأميركيين الصهاينة، أحدهما رئيس أكبر إمبراطورية أنشئت على أرض الغير من أصحاب الأرض الأصليين (اللاتينيين)، والآخر رئيس عصابات من جيوش المستوطنين المستحوذين على أراضي الغير (الفلسطينيين). ولأنّ الأمر كذلك، فقد شاءت السنن الكونية والأقدار بأن ينتقل مسرح السياسة والحرب لدى المدافعين عن الحرية والاستقلال والحقوق في العالم إلى نوع جديد من الكفاح يعتمد على نفس الجيوسياسة، مستخدمين الجغرافيا والحاجات البشرية الطبيعية كأسلحة فعّالة لإخراج الخصم من المشهد بشكل أكثر إبداعاً وإيلاماً من ذي قبل.

ولأنّ معادلة القوة كانت ولا تزال الغلبة فيها لمن يمسك بطرق التجارة العالمية واحتياجات العالم الأساسية.

ولما كانت الإمبراطوريات العظمى، لا سيما الولايات المتحدة، قد قامت على طرق البحار والممرات المائية، ولما كان العالم الحديث بكلّ تقدّمه التكنولوجي يقوم على النفط والغاز ومشتقاتهما الأساسية، فقد قرّرت القوات المكافحة للهيمنة العالمية وللظلم والطغيان الدوليين الإمساك بتلابيب القوة التي أمدّت الإمبراطوريات بالحياة حتى الآن، أي الإمساك بالماء والنفط والطاقة، أي القبض على الاقتصاد العالمي برمته.

ليس أمر السيطرة على مضيق هرمز مجرد اختلاف سياسي أو عسكري أو أمني بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، بقدر ما هو أمر اختلاف أساسي على موضوعة استقلال القرار السياسي والاستراتيجي لإيران ولكلّ قوى ودول العالم المناهضة للهيمنة والسيطرة الاستعمارية على مقدرات الشعوب.

فمن مضيق هرمز يمرّ الوقود للتجارة والزراعة والتغذية، والوقود للتكنولوجيا، والوقود للاتصالات، والوقود لتحلية المياه وصناعة الكهرباء وكلّ الصناعات، من الرقائق إلى الإنترنت العالمي وصولاً إلى الصعود إلى القمر وسائر الكواكب.

هذا المرفق الحيوي الذي قبضت عليه طهران في لحظة تاريخية حاسمة قلبت عملياً موازين القوة والجغرافيا والسياسة من الغرب إلى الشرق.

ولما لم يرعوِ الغرب المنافق ولم يتعلّم الغرب الجماعي الكذاب، وأميركا التي تمّ تقليم أظافرها عملياً في حربين متتاليتين (حرب الـ 12 يوماً وحرب رمضان) ضدّ إيران، من الهزيمة العسكرية والشاملة، بما فيها تقليم أظافر بيادقهم الصغار التي ظلت أشبه ما يكون بالقلاع الصليبية حتى الآن…

فقد قرّر هذا العالم المكافح من أجل نيل الحرية والاستقلال، انتزاع تحرّره من الطغيان العالمي المتمثل بشكل رئيسي بالشيطان الأكبر أي أميركا، والضرب بشدّة على يده الأخرى في المنطقة بعد الكيان الصهيوني، أي أنظمة كازيات النفط والغاز الخليجية، وتحديداً الإمساك من يدها الضاربة أي المملكة السعودية… فكان الردّ على خطتهم الثانية التي أرادوها مفاجأة لقوى التحرّر من خلال ما ظلوا يسمّونه بـ “الناتو العربي” مرة و”الناتو الإسلامي” مرة أخرى!

وهكذا تتمّ السيطرة الآن على المضيق الثاني الاستراتيجي أي مضيق باب المندب، من خلال قوة صافية قوية شديدة البأس معروفة تاريخياً بأنها هزمت كلّ الإمبراطوريات والقوى التي حاولت الاقتراب من هضابها…

الحكاية نفسها تتكرّر اليوم مع المضيق الجديد، مع زيادة وإضافة أخرى شديدة الحساسية ألا وهي أنّ هذا المضيق الجديد بعد أن تكتمل السيطرة عليه، وهي في طريقها، فإنّ القوة العظمى الجديدة (أي اليمن) من الآن فصاعداً ستكون المطلّة على جنوب الكيان المشلول أصلاً لتشدّد عليه الحصار في ساعة القرار، والمطلة على القرن الأفريقي لتحرّره، إضافة إلى يدها القوية القادرة على الوصول إلى سواحل المتوسط، وإغلاق قناة السويس عند الضرورة.

هذا ناهيك عن إغلاق المشهد تماماً على طال عمرك… الأمير الحالم بعرش الجزيرة العربية المتهالك!

وبهذا تكون معادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية كلهم جميعاً قد سقطوا بين يدي الأنصار… وعالم القوى العظمى بل العالم جميعاً محصور عملياً بين مضيقين، أحدهما يدفع الأحرار بقوة في التاريخ الجديد الذي ترسم ملامحه الجغرافيا السياسية الحديثة، والآخر يقول لهم: هلموا فها نحن نحضر لعالم جديد لا ظلم فيه ولا جور والأفضلية فيه للمتقين والمهتدين.

هذا فيما يحاول قبطان البحر القديم الإبحار في بحر لجيّ مضطربة أمواجه ظلمات فوق ظلمات وهو يردّد مبتهجاً:

المضيق مفتوح…!

بينما تحبس أنفاسه ليس في هذا المضيق فحسب، بل

وفي مضيق آخر أكثر لجية…

عالم ينهار، عالم ينهض،

بعدنا طيبين قولوا الله…

captcha