نتنياهو والحرب الاستباقية والتجاذب مع الجيش
ناصر قنديل
يكشف الخط البياني لمواقف بنيامين نتنياهو من الحرب على إيران حركة صعود وهبوط مرتبطة بـ معركته الانتخابية وحدود القرار العسكري. حيث بدأ بتحذير من هجوم ينفذه خصوم “إسرائيل” قبل الانتخابات، وانتقل إلى استبعاد ملاءمة المبادرة إلى الحرب قبل الاقتراع، ثم بلغ في الثامن عشر من تشرين الأول ذروة هجوميّة؛ لمنع إيران من توجيه الضربة الأولى، والاستعداد للتحرّك دون اشتراط موافقة أميركية. وبعد تقدّم موقف الجيش بشأن حماية الانتخابات، عادت الصيغة المشروطة ببدء التحرك الإيراني العسكري الهجومي إلى الواجهة. وبين هذه المحطات تتضح المسافة بين توظيف الحرب انتخابياً والقدرة على إطلاقها.
في التاسع والعشرين من أيلول، ظهر نتنياهو في مقطع مصوّر من قاعدة عسكريّة، وقال إن هناك مؤشرات إلى أن أعداء “إسرائيل” سيحاولون مهاجمتها قبل الانتخابات، متوعداً بأن تصل إليهم ذراعها الطويلة. كانت نقطة الانطلاق تقديم “إسرائيل” باعتبارها الطرف المهدَّد، وتقديم نتنياهو باعتباره الحامي القادر على الردّ. ولم يسمِّ في ذلك التصريح جهة بعينها أو يعلن قراراً بالمبادرة إلى حرب جديدة.
وفي الرابع عشر من تشرين الأول، حدّد موقفه من الضربة الاستباقية قبل الانتخابات بصورة أوضح. قال لإذاعة الجيش: «هذا الأمر ليس ملائماً لنا وليس جيداً»، رداً على سؤال عن احتمال توجيه ضربة إلى إيران واتهامات خصومه بالسعي إلى مواجهة تخدمه انتخابياً. واقترن استبعاد ملاءمة الضربة بالتحذير من الردّ، إذا هوجمت “إسرائيل”. هكذا كان المربع الأصلي للموقف: تجنّب تبنّي الهجوم قبل الاقتراع، مع إبقاء القوة العسكرية جاهزة تحت عنوان الردع والرد.
أما الحرب بالشراكة مع أميركا فكانت موضوع تقارير عن اتصالات واستعدادات، لا إعلان اتفاق معلن على التنفيذ. وفي الثالث عشر من تشرين الأول، نُشرت رواية عن مناقشات بين نتنياهو وترامب بشأن استئناف العمليات، قابلها نفي من مسؤول في البيت الأبيض وتأكيد للموقف الأميركي الرافض للهجوم قبل الانتخابات النصفية. لذلك ظل السؤال العملي قائماً: هل يستطيع نتنياهو تحويل علاقته بـ ترامب إلى قرار حرب في توقيت يخدم انتخاباته، بينما تحكم الرئيس الأميركي حسابات انتخابية مختلفة؟
جاءت القفزة الكبرى في الثامن عشر من تشرين الأول، خلال إحاطة صحافية في مكتبه بالقدس لعرض عقيدته الأمنية. قال، بحسب «يسرائيل هيوم»، ما ترجمته: «يجب أن نمنع العدو من توجيه الضربة الأولى»، وأكد أن الموافقة الأميركية ليست شرطاً مسبقاً لتحقيق أهدافه. هنا لم يعد الحديث مجرد رد على اعتداء محتمل، بل تبريراً للمبادرة إلى الهجوم، مع فتح باب التحرك المستقل عن واشنطن. واجتمع في موقف واحد تجاوز انتظار الضربة الإيرانية وتجاوز انتظار الإذن الأميركي.
ولم يكن الارتباط بالانتخابات استنتاجاً من خارج كلامه. ففي إحاطة الثامن عشر نفسها، نقلت «تايمز أوف إسرائيل» قوله، بما معناه، إن اختبار هذه الانتخابات هو مَن سيكمل المهمة، وربطه استكمال أهداف الحرب بإعادة انتخابه. وأكد استعداده للعمل مستقلاً عند الضرورة، معلناً أن إسقاط النظام الإيراني هو هدفه. بذلك صارت الحرب برنامجاً انتخابياً شخصياً؛ نتنياهو يطلب ولاية جديدة لاستكمال مهمة يقول إنّه أنجز معظمها، ويقدّم رحيله بوصفه خطراً على استكمالها.
تساعد استطلاعات تلك المرحلة على تفسير ارتفاع الخطاب إلى هذه الذروة. فاستطلاع القناة الثانية عشرة المنشور في التاسع عشر من تشرين الأول أبقى معسكر نتنياهو عند 51 مقعداً مقابل 55 لخصومه، وأظهر تقدّم آيزنكوت في تفضيلات رئاسة الحكومة بنسبة 45 في المئة مقابل 33 في المئة. كما لم يسجّل الاستطلاع دفعة فورية لنتنياهو من تأييد ترامب. كانت الحاجة إلى تغيير سؤال الانتخابات تتعاظم: من المسؤولية عن الإخفاقات ومستقبل الحكومة، إلى مَن يستطيع قيادة المواجهة التالية مع إيران.
في العشرين من تشرين الأول، أعلن رئيس الأركان إيال زامير أن هدف الجيش تمكين إجراء انتخابات ديمقراطية دون تدخل خارجي، وربط تعزيز القوات على الجبهات بهذه المهمة. وفي الحادي والعشرين، شرحت «يسرائيل هيوم» أن القيادات العسكرية لا ترى ضرورة أمنيّة ملحّة أو معلومات محددة تفرض استئناف الحرب خلال الأسبوع السابق للاقتراع. وضع هذا الموقف سؤال الضرورة العسكرية في مواجهة التصعيد الانتخابي، وجعل الحفاظ على موعد الانتخابات واستقرار البلاد مسؤولية معلنة للجيش.
وفي مقابلة أجرتها «جيروزاليم بوست» فجر الحادي والعشرين من تشرين الأول، نُشر مقتطف منها مساء اليوم نفسه ثم نُشرت كاملة في الثاني والعشرين، عاد نتنياهو إلى التهديد المشروط. تحدّث عن احتمال استخدام إيران وحلفائها الصواريخ أو المسيّرات للتأثير في الانتخابات، وقال، بما ترجمته: «إذا فعلوا ذلك، فسيكون خطأ كبيراً، لأننا سنرد بقوة لا يستطيعون حتى تخيّلها». التحرك الإسرائيلي هنا يأتي رداً على فعل إيراني.
وبقي نتنياهو، بالتوازي، يرفع سقف الأهداف العامة. ففي خطاب تخريج الضباط في الحادي والعشرين، كرّر أن إسقاط النظام الإيراني هو الطريق لإزالة التهديد. وفي الثاني والعشرين، نفى للقناة السابعة رواية أن ترامب منعه من تنفيذ هجوم، واصفاً التقرير بأنه غير صحيح ومنحاز. وتكشف هذه المواقف محاولته المحافظة على صورة صاحب المبادرة والقرار، بينما عادت الصيغة المرتبطة مباشرة بالأيام السابقة للانتخابات إلى انتظار تحرّك إيراني والتهديد بالرد عليه.
يرسم هذا التسلسل مساراً سياسياً واضحاً: تحذير دفاعي في أواخر أيلول، واستبعاد ملاءمة الضربة قبل الانتخابات في الرابع عشر من تشرين الأول، ثم ذروة استباقية واستقلالية في الثامن عشر، تلتها عودة إلى التهديد المشروط في المقابلة المنشورة خلال الحادي والعشرين والثاني والعشرين. وتمنح مواقف الجيش هذه العودة معناها العمليّ عبر تضييق مساحة تحويل الخطر الانتخابي إلى مبادرة حربية. لقد استطاع نتنياهو أن يعلن التهديد بالحرب مع أميركا أو دونها، لكنه واجه عند توقيتها حسابات واشنطن ومسؤولية الجيش عن حماية الاقتراع؛ فعاد الخطاب المتصل بالانتخابات من منع الضربة الأولى إلى التهديد بالرد عليها.