kayhan.ir

رمز الخبر: 232023
تأريخ النشر : 2026October23 - 22:19

التباين الأميركي ـ «الإسرائيلي» عشية الانتخابات وآفاق المواجهة في المنطقة

حسن حردان

 تتكشف واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخ العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب؛ إذ كشفت التحليلات الاستراتيجية في المجلات والصحف الكبرى الأميركية عن تسريبات وتفاهمات رفض إدارة دونالد ترامب طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شن هجوم عسكري واسع النطاق ضدّ إيران عشية الانتخابات الإسرائيلية والأميركية.

هذا التباين التكتيكي لا يعبّر عن مجرد خلاف عابر حول “توقيت ضربة”، بل يمثل عاملاً ضاغطاً بين منطق “البقاء السياسي الفردي” ومنطق “حسابات القوة العظمى”، ما يرسم ملامح مرحلة جديدة لموازين القوى في المنطقة.

أولاً: دلالات التباين التكتيكي  الأولويات والمخاطر…

كشف الفيتو الأميركي المؤقت على الرغبة الإسرائيلية عن عدة دلالات جيوستراتيجية عميقة:

مبدأ “أميركا أولاً”: بالنسبة لإدارة ترامب، فإنّ السماح باستعراض عسكري “إسرائيلي” شامل عشية انتخابات التجديد النصفي الأميركية يحمل مخاطرة غير محسوبة. أيّ ردّ إيراني مباشر يستهدف الملاحة في مضيق هرمز أو البنية التحتية للطاقة من شأنه قفز أسعار النفط إلى مستويات قياسية، مما يغذي التضخم ويقضي على الوعود الاقتصادية للحزب الجمهوري أمام الناخب الأميركي.

استقلال القرار الأميركي واستعادة السيطرة: سعى البيت الأبيض لتثبيت قاعدة مفادها أنّ واشنطن هي من تحدّد جدول التصعيد وحجمه في المنطقة وفق حساباتها الشاملة، ورفض منح الحكومة الإسرائيلية “شيكاً على بياض” لجرّ واشنطن إلى مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها.

صراع الأجندات الشخصية: بينما يرى نتنياهو في التصعيد العسكري وشعار “إسقاط النظام الإيراني” رافعة انتخابية أساسية للتغطية على أزماته السياسية، يفضل ترامب استخدام الحصار العسكري واحتشاد القوات كمقبض ضغط تفاوضي لفرض اتفاق استراتيجي بشروطه الخاصة دون الحاجة للانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.

ثانياً: إعادة رسم المشهد الانتخابي  في تل أبيب وواشنطن

أحدث هذا التأجيل وتجميد الضربات تحوّلات ملموسة في ديناميات صناديق الاقتراع:

في الكيان الإسرائيلي: جُرّد نتنياهو من سيناريو “مفاجأة أكتوبر” الأمنية، مما أجبره على خوض سباق الكنيست المحتدم بناءً على سجله الداخلي والسياسي المتنازع عليه، وسط تحفظات مكتومة من المؤسسة العسكرية والأمنية التي حذرت من ربط قرارات الحرب المصيرية بالحسابات الحزبية.

في الولايات المتحدة: نجحت الإدارة في كبح الهزات المالية الجسيمة المباشرة، وحماية الجبهة الداخلية من صدمات كبيرة في أسعار الطاقة عشية الانتخابات. غير أنّ الانطباع بالتردّد وعجز الردع المطلق أمام التهديدات الإيرانية للممرات المائية أتاح للهجوم المضاد من الخصوم السياسيّين التركيز على ثغرات السياسة الخارجية

ثالثاً: آفاق المواجهة  والمشهد المرتقب بعد النتائج

لن يؤدي انقضاء المواعيد الانتخابية في واشنطن وتل أبيب إلى إنهاء الأزمة، بل سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة أكثر حسمة وخطورة. وتتلخص مسارات المشهد المرتقب في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1 ـ سيناريو “الضربة المؤجلة والمحسوبة”

بمجرد إغلاق صندوق الاقتراع واستكمال الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، سيزول العائق الانتخابي الشديد للطرفين. يُتوقع في هذا المسار تنشيط خيار “العملية العسكرية المشتركة”، ولكن بضربات مركزة تستهدف المنشآت النووية والصاروخية الحساسة، مع وضع ترتيبات للحد من اتساع رقعة الحرب الشاملة.

2 ـ سيناريو “التفاوض القسري تحت النار”

في حال إدراك واشنطن وتل أبيب لكلفة الحرب المفتوحة على شبكات الطاقة والاقتصاد العالمي، قد تُستغلّ فترة ما بعد الانتخابات للاندفاع نحو مسار تفاوضي غير مباشر شاق، يقوده الوسطاء الإقليميون والدوليون. يستند هذا المسار إلى محاولة فرض واقع “التهديد بالقوة” للحصول على التزامات صارمة تتعلق بالبرنامج النووي وأمن الملاحة الشامل.

3 ـ سيناريو “الانزلاق لحرب استنزاف إقليمية”

إذا أصرّت طهران على سياستها الهجومية في الممرات المائية وتوسيع أوراق الضغط عبر الإقليم، وقابل ذلك إصرار “إسرائيلي” على التغيير الجذري لموازين القوى، فإنّ المنطقة ستكون أمام حرب استنزاف واسعة النطاق تتداخل فيها القوة الصاروخية مع حرب المضائق والهجمات السيبرانية، مما يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة برمتها.

خلاصة القول:

إنّ الرفض الأميركي المؤقت لطلب الضربة ليس إلا دليلاً على إدارة التوقيت لا على تغيير الاستراتيجية؛ فقد اختارت واشنطن تأجيل شن العدوان العسكري جديد ضدّ إيران لحين استقرار بيئتها السياسية الداخلية. لكن مع انقضاء المواسم الانتخابية، ستجد المنطقة نفسها أمام استحقاق أمني او تسوية سياسية بناء على نتائج الانتخابات، تتحدد فيه ملامح النظام الإقليمي للسنوات المقبلة بين حدّي “الدبلوماسية القسرية” أو “المواجهة الشاملة المؤجلة.

captcha