الدبلوماسية غير المقروءة تفشل حسابات اميركا
رفعت الجمهورية الاسلامية الايرانية منذ تأسيسها عام 1979 شعار "لا شرقية ولا غربية" في بيئة اقليمية وثيقة الصلة بالغرب. فقلبت ايران الموازين حين أغلقت منذ انتصار ثورتها الاسلامية السفارة الاسرائيلية في طهران وسيطرت على السفارة الاميركية في فبراير 1979 معتبرة اياها وكرا للتجسس على المنطقة الامر الذي رسم الخطوط العريضة في سياسة طهران وهي مناهضة الاستكبار الاميركي.
ومع ان العلاقات السياسية بين ايران واميركا قديمة وتعود الى اواخر القرن الثامن عشراذ بعث الشاه ناصر الدين القاجاري اول سفير لفارس وهو "ميرزا أبو الحسن شيرازي" الى واشنطن عام 1856 الا ان التغلغل الاميركي في الشأن الايراني فترة حكومة المخلوع محمد رضا وتطاولها على روح الاحساس الديني للشعب الايراني المعروف بولائه الشديد لعلماء الدين المخلصين وتمسكه بتعاليم الاسلام مما دفع بالامام الراحل الامام الخميني العظيم الى تحذير الشاه اولا ومن ثم اسقاط نظام الشاه ليؤسس دولة دينية ذات تطلعات معاصرة تشمل كافة الجوانب الحياتية: العلمية والاقتصادية والاجتماعية وكل ما ينسجم مع التقدم التقني مع الحفاظ على المبادئ والقيم الحقة. فأرسلت رسلها الى دول الجوار فكانت زيارات المسؤولين الايرانيين وعلى مستوى رئاسة الجمهورية الى جميع الدول العربية والاسلامية لاسيما الدول المطلة على الخليج الفارسي كالكويت وقطر وعمان والسعودية والامارات التي زارها اول رئيس جمهورية عام 2007. كما واتفقت مع مصر على تأسيس لجان عمل وزاري مشتركة لوضع مقترحات لحل المشاكل بين البلدين. فكانت ايران تطمئن دول الجوار بسلمية برنامجها النووي هذا من جهة ومن جهة ثانية تحذر دائما من الرد الايراني على اميركا في شنها الحرب الذي قد يشمل المنطقة.
ولم تبذل ايران المزيد من الجهود مع اوربا لان الاخيرة تدور في الفلك الاميركي وتتبنى مواقفه. وبقيت علاقات ايران مع الصين ثابتة والموقف الصيني مع الكفاءة النووية السلمية الايرانية. كما ان العلاقة الدبلوماسية مع روسيا تؤطرها التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية من خلال مفاعل بوشهر.
وهكذا نسجت الجمهورية الاسلامية الايرانية علاقاتها مع الجميع لاسيما مع الدول المناهضة للاستكبار ومع حركات التحرر في فلسطبن والمقاومة اللبنانية وتجهد لنصرة كل شعب مظلوم في صبر وتؤدة أشبه بحياكة السجاد عقدة بعد عقدة وخيطا بعد خيط.
واليوم تتفرد ايران بدبلوماسيتها المبنية على الصبر الاستراتيجي بعد ان تعرضت لضغوط اقتصادية مغلظة من قبل الغرب وعلى رأسها اميركا ولما فشلت في مشاريعها ومؤامراتها استشاطت غيظا فشنت حربها الشعواء بمشاركة "اسرائيل" ظنا منهما ان تخضع ايران لشروطهما الا انهما ووجها بتماسك داخلي نابع من العقيدة الاصيلة ومن حكمة القيادة المخلصة الشجاعة. فلما فشلتا من اسقاط النظام الاسلامي – وهو ما يهدف البه ترامب ونتنياهو وأعلنا عن ذلك رسميا – لجأت اميركا للتفاوض بأشكال مختلفة فكلما تتنازل في جولة تواجه برفع الجانب الايراني لمستوى الشروط ولسقف بنود التفاوض حتى يئس ترامب من التعامل مع الوفد الدبلوماسي الايراني. ولعل اخرها ما قاله بالامس امين المجلس الاعلى للامن القومي الايراني اللواء "محسن رضائي" لضيفه قائد الجيش الباكستاني المشير "عاصم منير" بأن لا تفاوض حول المخزون النووي قائلا: ان ايران ترفض اخراج اي مواد نووية مخصبة من اراضيها فهذه المواد هي رأس المال والثروة لشعبنا وحتى ذرة منها لاتخرج من ايران.