kayhan.ir

رمز الخبر: 231962
تأريخ النشر : 2026October21 - 21:00
تآكل الرهانات

السعودية تعود إلى الحرب بنفسها.. لماذا لم تعد أوراق الوكلاء كافية في اليمن؟

 

- بعد سنوات من الحرب على اليمن، يبدو أن السعودية تعود إلى واجهة المواجهة العسكرية بصورة أكثر وضوحاً، بعدما اعتمدت طويلاً على القوى اليمنية الموالية لها لتنفيذ أهدافها على الأرض، راهنت المملكة العربية السعودية على استراتيجية الطرف الثالث، حيث تدعم تحالفات هشة وكيانات تفتقر إلى المشروعية الوطنية والعمق الشعبي، ظناً منها أن هذه الأدوات ستكون كافية لإخضاع صنعاء وتحقيق مكاسب جيوسياسية بأقل تكلفة بشرية وسياسية ممكنة. لكن المشهد اليوم يعكس انكساراً حاداً في هذه المعادلة؛ فاليمن الذي أرادت الرياض تحويله إلى ساحة نفوذ تابعة، تحول إلى ثقب أسود يستنزف مواردها وقدراتها. إن الانتقال السعودي من سياسة الاستعانة بالمرتزقة والتحالفات الهشة إلى الانخراط المباشر والمكشوف في العمليات العسكرية والتحركات الميدانية، ليس دليلاً على القوة، بل هو اعتراف صريح بفشل استراتيجية الوكالة. لقد أثبتت الأيام أن الوكيل الذي لا يملك قراراً سيادياً ولا قاعدة شعبية صلبة، لا يمكنه أن يصنع نصراً، بل يتحول إلى عبء يقتات على الدعم السعودي دون تقديم أدنى مصلحة استراتيجية. هذا التحول نحو المواجهة المباشرة ينم عن حالة من الارتباك الوجودي، ومحاولة يائسة لتعويض العجز عن حسم المعركة عبر الأدوات غير النظامية، مما يضع الرياض في مواجهة مباشرة مع واقع يمني يرفض التبعية ويفرض إرادته بأسلحة السيادة لا بأموال المرتزقة.

إفلاس استراتيجية الوكيل وفشل الرهانات المرتزقة

لقد استهلكت الرياض سنوات من الدعم المالي والعسكري في محاولة صناعة نخب يمنية يمكن التحكم بها، لكن النتيجة كانت خلق كيانات تفتقر إلى المشروعية الوطنية والعمق الشعبي. هذه الكيانات، التي سُميت بالمرتزقة، فشلت في تقديم أي بديل سياسي أو عسكري قادر على الصمود أمام إرادة الشعب اليمني. إن الاعتماد على مرتزقة لا يملكون مشروعاً سوى البقاء في ظل الحماية السعودية، جعل من هذه الأدوات عاجزة عن تحقيق أي تقدم ميداني ملموس. عندما يدرك المخطط في الرياض أن الوكيل قد استنفد صلاحيته، وأنه بات عاجزاً حتى عن حماية نفسه، لا يجد أمامه إلا خيار الانخراط المباشر لتدارك الانهيار. هذا الانتقال ليس تطوراً في التكتيك العسكري، بل هو انحدار من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة الارتباك في المواجهة، حيث تحاول السعودية تعويض نقص الكفاءة لدى أدواتها عبر فرض واقع ميداني مباشر، وهو ما يكشف عمق الهوة بين الطموحات السعودية والواقع اليمني الصلب.

من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة.. اعتراف بالهزيمة

إن التحول في العقيدة العسكرية السعودية تجاه اليمن، من الدعم غير المباشر إلى الانخراط الميداني والمباشر، هو في جوهره إعلان هزيمة غير معلن لسياسة الوكالة. لسنوات، حاولت الرياض تجنب و تفادي التبعات القانونية والأخلاقية الدولية، لكن مع فشل "الشرعية " المدعومة سعودياً في فرض أي أمر واقع، وجدت الرياض نفسها مضطرة لرفع الغطاء عن الوكلاء والدخول في الخطوط الأمامية. هذا التحول يبرز حقيقة أن الوكلاء الذين تم استثمار المليارات فيهم لم يكونوا سوى واجهة فاشلة. اليوم، تحاول السعودية عبر العمليات المباشرة والتحركات المسلحة المكثفة أن تعوض الفشل الذي خلفته سنوات من الاعتماد على أدوات غير مؤهلة. إن هذا الانخراط المباشر يضع السعودية في مواجهة مباشرة مع السيادة اليمنية، ويجعلها المسؤول الأول والمباشر عن استمرار نزيف الدم، بعد أن حاولت التستر خلف أسماء وكيانات لا تملك من أمرها شيئاً.

استنزاف الموارد في معركة الصفر

لقد أدركت السعودية أن الرهان على المرتزقة كان استنزافاً اقتصادياً وسياسياً دون عائد استراتيجي. تم إنفاق المليارات لتمويل مجموعات مشتتة لا تملك هدفاً سوى البقاء. هذا الاستنزاف دفع بالقرار السعودي نحو المغامرة المباشرة كمحاولة أخيرة لتقليل الخسائر من خلال محاولة الحسم السريع. إن الانتقال للمواجهة المباشرة يعكس إدراك الرياض بأن استراتيجية التمويل المستمر للوكلاء قد تحولت إلى ثقب أسود يمتص الميزانية دون أي تقدم في الملف اليمني. وبدلاً من أن تخرج السعودية من اليمن بأقل الخسائر، تبرر لنفسها اليوم الغوص أكثر في وحل الصراع المباشر، محاولةً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة إقليمية تآكلت بسبب العجز عن حسم المعركة عبر أدواتها المعتادة. إنها معركة الكل أو لا شيء، حيث تخاطر السعودية بكل أوراقها بعد أن أحرقت أوراق الوكلاء في ساحات القتال.

اليمن كقوة صاعدة والرياض كطرف محاصر

في الوقت الذي كانت فيه السعودية تحاول إدارة اليمن عبر الوكلاء، كان الواقع اليمني يتشكل من جديد بقوة السيادة الوطنية والتماسك الشعبي. لقد أثبتت اليمن أن الشعوب لا تُقاد بالمال ولا بالمرتزقة، مما جعل من التحركات السعودية المباشرة محاولة لكسر هذا التنامي في القوة اليمنية. إن دخول السعودية بشكل مباشر هو محاولة لانتزاع المبادرة التي فقدتها لصالح القوى الوطنية في اليمن. وبينما تتحرك الرياض لمحاولة فرض وصاية جديدة عبر القوة المباشرة، يظهر اليمن كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه، قوة تمتلك الإرادة والقدرة على الصمود. هذا التباين بين قوة الوكالة الهشة وقوة السيادة الراسخة هو ما يفسر لماذا تضطر السعودية اليوم للتخلي عن أدواتها القديمة وتصطدم مباشرة بحائط الصد اليمني، في محاولة يائسة لاستعادة توازن فقدته منذ اللحظة الأولى لتدخلها في هذا الصراع.

في الختام، يظهر التحول السعودي نحو المواجهة المباشرة في اليمن كعلامة فارقة على فشل عقيدة الوكالة التي استهلكت سنوات من الدعم والمال. إن محاولة استبدال المرتزقة والوكلاء بالانخراط المباشر ليست إلا اعترافاً بأن الأدوات غير الوطنية قد وصلت إلى طريق مسدود. إن المعركة في اليمن لم تعد معركة سيطرة إقليمية عبر أطراف ثالثة، بل أصبحت معركة وجودية بين مشروع استعماري يسعى للوصاية، وبين إرادة يمنية وطنية ترفض التبعية. وما تحاول السعودية فعله اليوم من مواجهة مباشرة، لن يزيد اليمن إلا تمسكاً بسيادته، ولن يزيد السعودية إلا عزلةً وإدراكاً بأن زمن الوكلاء قد ولى، وأن السيادة لا تُشترى بالمال ولا تُفرض بالمرتزقة.

الوقت

captcha