سقوط أقنعة الاعتدال العربي!
عباس المعلم
لم تعد التحولات الجارية في الشرق الأوسط مجرد تقاطعات ظرفية بين مصالح متنافرة، بل باتت تكشف عن اصطفافات استراتيجية تتجاوز الحدود التقليدية بين العداء والتحالف، وتضع المنطقة أمام إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة والنفوذ. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مساعدة “إسرائيل” للسعودية في مواجهة الحوثيين، وتلميحات بنيامين نتنياهو إلى طلب دول إقليمية مساعدات “إسرائيلية”، تفتح نافذة على طبيعة العلاقات التي ظلت طويلاً بعيدة عن الأضواء. غير أنّ الأهمّ من وجود اتصالات أو تعاون استخباري محتمل هو التقاطع الاستراتيجي المتنامي بين الرياض وتل أبيب في مواجهة إيران والقوى الحليفة لها. هنا تحديداً تبرز فرضية سياسية بالغة الدلالة: أنّ ما يجمع أطرافاً خليجية بـ “إسرائيل” لم يعد مجرد الخوف من عدو مشترك، بل تصور متقارب لشكل المنطقة وموازين القوة التي ينبغي أن تحكمها. ومع ذلك، فإنّ التقارير المتاحة لا تثبت وجود تحالف عسكري خليجي “إسرائيلي” شامل، وإنْ كانت تشير إلى اتصالات غير معلنة ومساعٍ “إسرائيلية” لتوظيف المواجهة مع اليمن في تسريع التطبيع مع السعودية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الانقسام الإقليمي بوصفه صراعاً بين مشروعين استراتيجيين متعارضين، وإنْ لم تكن حدودهما مطلقة أو مواقف أطرافهما متطابقة. الأول تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع “إسرائيل”، وتلتقي معه دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية، في ملفات أمنية وعسكرية تتصل باحتواء إيران وإضعاف نفوذ حلفائها في فلسطين ولبنان والعراق واليمن. والثاني تتصدّره طهران مع القوى المنضوية ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، التي تطرح مواجهة “إسرائيل” ودعم القضية الفلسطينية ومقاومة الاحتلال باعتبارها مرتكزات أساسية لمشروعها الإقليمي. وفي هذا السياق، يصبح مصطلح «الاعتدال العربي» موضع مساءلة سياسية، حين يُستخدم للفصل بين التحالفات الأمنية مع واشنطن وتل أبيب وبين انعكاساتها على القضية الفلسطينية. فالسؤال لم يعد من يرفع شعار السلام، بل أيّ سلام يُراد للمنطقة: تسوية تحفظ الحقوق الوطنية والسيادة، أم ترتيبات أمنية تمنح “إسرائيل” موقعاً مركزياً في تقرير مستقبلها؟ ويظلّ من الضروري التمييز بين هذا التحليل وبين المواقف الرسمية الخليجية، ولا سيما الموقف السعودي المعلن الذي يربط الاعتراف بـ “إسرائيل” بالتقدم نحو إقامة دولة فلسطينية.
أما التصريحات المنسوبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن انتقال المنطقة إلى “علاقات علنية مع “إسرائيل” بعد هزيمة النظام الإيراني”، والتي تنسجم في مضمونها مع الرؤية “الإسرائيلية” الساعية إلى تحويل إضعاف إيران إلى مكسب إقليمي دائم. فالمسألة، وفق هذه القراءة، لا تنحصر بإسقاط خصم أو تقليص قدراته العسكرية، وإنما تتصل بإعادة هندسة المجال الجيوسياسي من الخليج (الفارسي)إلى البحر المتوسط، مروراً بالعراق وسورية ولبنان وفلسطين. وتزداد خطورة هذه الرؤية عند مقارنتها بالمواقف “الإسرائيلية” المعلنة بشأن الاحتفاظ بمناطق أمنية داخل لبنان وسورية وغزة، بما يثير تساؤلات جدية حول حدود المشروع “الإسرائيلي” وموقع السيادة العربية فيه…!
في المقابل، ينظر محور إيران والمقاومة إلى المواجهة باعتبارها صراعاً على منع تكريس التفوق الإسرائيلي”، ودعم الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، ومقاومة الاحتلال في لبنان وسورية.
وعليه، فإنّ أخطر ما تكشفه المرحلة ليس احتمال انتقال العلاقات السعودية “الإسرائيلية” من السرية إلى العلنية فحسب، بل احتمال تحوّل هذا التقارب إلى جزء من بنية أمنية إقليمية يُعاد فيها تعريف العدو والحليف، وتُختزل فيها فلسطين من قضية تحرر وحقوق وطنية إلى ملف تفاوضي خاضع لحسابات القوة والتطبيع. وهنا تكمن المعضلة التاريخية: هل يجري بناء شرق أوسط تتعايش فيه الدول على قاعدة السيادة والحقوق المتساوية، أم شرق أوسط تتصدّره “إسرائيل” بوصفها القوة العسكرية المرجعية، فيما تُدفع القضية الفلسطينية إلى هوامش التسويات؟ إنّ الإجابة لا تحدّدها الخطابات الدبلوماسية وحدها، بل طبيعة التحالفات ومآلات الحروب والوقائع التي تُفرض على الأرض. فالمنطقة لا تواجه مجرد تبدّل في خريطة العلاقات، وإنما اختباراً لمستقبل نظامها السياسي والأمني، ولمكانة فلسطين فيه. وقد يكون أخطر ما في التحولات الكبرى أنها لا تعلن عن حقيقتها لحظة ولادتها؛ بل حين تستقرّ نتائجها، ويكتشف الجميع أنّ ما كان يُدار خلف الأبواب المغلقة أصبح واقعاً يحكم مصير المنطقة لعقود…