هذا مخطط واشنطن لتفتيت دول الخليج(الفارسي).. والسعودية على رأس القائمة
محمد الحسيني
تواجه منطقة غربي آسيا أو ما يسمّى "الشرق الأوسط" مرحلة فرز جيوسياسي هي الأكثر خطورة منذ انهيار النظام الإقليمي التقليدي؛ حيث تتداخل صراعات النفوذ العسكري مع حروب الهيمنة على شرايين الاقتصاد العالمي وطاقة المستقبل، فلم تعد الهيمنة الأميركية - "الإسرائيلية" تحتاج إلى الصيغ الكلاسيكية القائمة على الاحتلال المباشر والجغرافي الواسع للدول، لا سيما في منطقة الخليج(الفارسي)، بل تطورت نحو استراتيجيات أعمق وأكثر خطورة تعتمد السيطرة على البيئة الجيوسياسية ومفاصل الاختناق الاقتصادي.
وربطًا بهذا المعطى يُظهر تفكيك معطيات المشهد الإقليمي الراهن بوضوح أن ما تمر به المنطقة ليس مجرد أزمات عابرة، بل هو هندسة ممنهجة تهدف إلى إعادة رسم الخارطة بما يخدم الأهداف الاستراتيجية الكبرى لواشنطن، وتتمركز "تل أبيب" في وسط المعادلة.
وفي هذا السياق تأتي صدارة هذه الهندسة في استهداف الممرات المائية والمرافق الإستراتيجية ومضائق النفط، لتتحول المقدّرات العربية والإسلامية إلى أداة ابتزاز كبرى تدفع نحو الانخراط في مشاريع تطبيع قسري تنهي ما تبقى من السيادة الوطنية والقومية.
استراتيجية الخنق البحري.. إغلاق المضائق مدخلًا للسيطرة
تنطلق العقيدة الاستراتيجية الأميركية - "الإسرائيلية" في التعامل مع الثروات النفطية (الخليجية خصوصًا) من مسلّمة أساسية مفادها أن الخيارات العسكرية المنفردة باتت خيارًا مكلفًا وغير ذي جدوى في ظل وجود قوى إقليمية فاعلة ورافضة للهيمنة وفي طليعتها إيران. من هنا، كان البديل الأبسط والأكثر فاعلية هو السيطرة على "نقاط الاختناق البحري" التي تمر عبرها شرايين الطاقة العالمية.
شكّل مضيق هرمز الشريان الرئيسي الذي يمر منه تقريبًا خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز، إلى جانب مضيق باب المندب كبوابة جنوبية حيوية للبحر الأحمر. من هنا نفهم أهمية القرار الإيراني بإغلاق مضيق هرمز تمامًا أمام حركة الملاحة وناقلات النفط ردًا عمليًا على العدوان الأميركي - "الإسرائيلي"، وتجلت الآثار المدمّرة لهذا الإغلاق بانخفاض صادرات النفط عبر هذا المضيق بنسبة كارثية بلغت نحو ٧٤ % مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
هذا الانهيار في الصادرات لم يكن مجرد خسارة تجارية، بل مثّل ضربة قاصمة للاقتصاد الخليجي الذي تعتمد موازنته بشكل شبه كلي على تصدير النفط ومشتقاته، وتسبب باختناق اقتصادي جعل عواصم الخليج(الفارسي) تبحث بيأس عن أي طوق نجاة.
خطوط الأنابيب البديلة وشراكة الاختناق
وفي محاولة لتجاوز مأزق إغلاق مضيق هرمز، اعتمدت السعودية في استراتيجيتها على خط أنابيب "شرق - غرب" البري الذي يهدف إلى نقل النفط من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومن هناك، يمكن شحن النفط إما شمالًا عبر قناة السويس وخط أنابيب "سوميد" المصري نحو الأسواق الأوروبية، أو جنوبًا عبر مضيق باب المندب نحو الأسواق الآسيوية، ونجحت الرياض جزئيًا في تجاوز جزء كبير من معضلة هرمز. ولكن الكارثة الثانية تمثّلت في تعرّض خط الأنابيب هذا لضربات دقيقة بواسطة الطائرات المسيرة، بالتزامن مع إغلاق مضيق باب المندب تمامًا أمام السفن السعودية كنتيجة طبيعية للعدوان الذي شنّه التحالف السعودي - الإماراتي على اليمن واستهداف حركة أنصار الله.
يفترض منطق التحالف والتبعية أن تتدخل القوة العسكرية الأميركية لردع أنصار الله وفتح الممر المائي وحماية النفط السعودي وإنقاذ أسواق الطاقة العالمية، إلا أن واشنطن اعتمدت سلوكًا مغايرًا تمامًا؛ إذ اختارت التراجع وترك السعودية (البقرة الحلوب لأميركا) تُواجه مصيرها وحيدة في مواجهة تداعيات الأزمة! فلماذا تخلت أميركا عن حليفها التاريخي في لحظة حرجة؟ وهل يخدم هذا القرار الاستراتيجية "الإسرائيلية"؟
تجدر الإشارة في معرض الجواب إلى أنه في ١٩ آذار ٢٠٢٦ خرج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي ليطرح مشروعًا جيوسياسيًا هائلًا زعم فيه أنه سيغير خريطة الطاقة في العالم، وقام المشروع على فكرة إنشاء خطوط أنابيب عملاقة تنقل النفط والغاز من دول الخليج(الفارسي) برًّا عبر الأراضي العربية وصولًا إلى الكيان الصهيوني، ومنها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط لتتجه مباشرة إلى أوروبا. وتأكدت تفاصيل هذا المشروع في ٧ تموز ٢٠٢٦ بما نقلته وكالة "رويترز" عن وزير الطاقة الصهيوني إيلي كوهين بطرحه مقترحًا تنفيذيًا لخط أنابيب بطول ٧٠٠ كيلومتر يربط السعودية بمدينة إيلات المحتلة، ومنها عبر خطوط الأنابيب القائمة بطول ٢٥٤ كيلومترًا إلى عسقلان، لتتحول "إسرائيل" إلى بوابة الطاقة الوحيدة للعالم العربي نحو الغرب.
استراتيجية الحرب الأميركية.. إسناد الوقود والهيمنة بالوكالة
لا يمكن فصل هذا المخطط النفطي عن التحوّلات الكبرى في العقيدة العسكرية الأميركية كما تبلورت رسميًا في وثيقة "استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026" التي أعلن عنها البيت الأبيض، والتي تحدّد أولويات الأمن القومي الأميركي بثلاثة محاور حاسمة:
أولًا: الأولوية الكبرى حشد كافة الموارد لردع الصين في آسيا الكبرى والمعركة الوجودية المتوقعة معها.
ثانيًا: الانسحاب من الساحات الثانوية في أوروبا عبر تقليص الوجود العسكري المباشر وإلقاء عبء ومسؤولية مواجهة روسيا على عاتق الأوروبيين أنفسهم.
ثالثًا: إعادة هندسة "الشرق الأوسط" عبر تقليص الوجود العسكري المباشر في المنطقة، وإسناد مهمة تأمين المصالح الحيوية ومراقبة الممرات لـ "شركاء واشنطن الإقليميين".
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو الشريك الإقليمي الكفء الذي تراهن عليه واشنطن لفرض السيطرة الكاملة على المنطقة؟ إنه الكيان الصهيوني حصرًا.
وتدرك الإدارة الأميركية أن "إسرائيل" لا تملك فرض هذه السيطرة بالوسائل الناعمة، بل بوسيلتها المفضلة دائمًا، أي الإخضاع الشامل. وهذا الإخضاع يتخذ شكلين متكاملين: إما الاحتلال العسكري المباشر والتدمير كما يمارس في لبنان وسورية وفلسطين، أو الخنق الاقتصادي والسيطرة على شرايين الثروات.
التطبيع القسري.. خيار الاختناق أو الانتحار السياسي
في ضوء هذه المعطيات، تتكشف العقبة الوحيدة التي تقف أمام مشروع خطوط الأنابيب "الإسرائيلية" وهي "التطبيع الإبراهيمي الشامل"، فلكي يمر النفط الخليجي عبر الأراضي المحتلة ويخضع للسيادة والتحكم "الإسرائيليين"، لا بد للسعودية وبقية دول الخليج(الفارسي) من الانخراط الرسمي والعلني في اتفاقيات التطبيع، والدخول في مظلة تحالف استراتيجي تقوده "تل أبيب"، ولكن يبدو أن الرياض لا تزال تتمهّل في المضي بهذا المسار لأسباب داخلية وحسابات إقليمية، في وقت يشتد عليها الضغط الميداني بسبب توريطها ودول الخليج(الفارسي) في الحرب ضد إيران واليمن، وما نتج عن تهوّرها هذا في إغلاق مضيق هرمز، وضرب خطوط الأنابيب؛ وكل ذلك شكّل ضاغطًا وجوديًا جعلها تواجه اختناقًا اقتصاديًا وسياسيًا، وهنا تصبح بين خيارين: إما المبادرة إلى إعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي بالشراكة والاتفاق مع طهران، أو الاندفاع أكثر نحو الهاوية وإعلان الاستسلام والخضوع للمشروع الأميركي - "الإسرائيلي".
أين لبنان ومحور المقاومة في دائرة الأزمة!؟
يقف لبنان ومحور المقاومة حائط صد حصينًا في مواجهة مخطط التفكيك الأميركي للمنطقة، والعقدة الاستراتيجية التي استعصت على محدلة المشاريع الأميركية "الإسرائيلية". فعلى الرغم من حجم التدمير والحروب والضغوط الاقتصادية والمالية الكبرى التي تعرض لها لبنان، شكّلت المقاومة شوكة في حلق المشروع الصهيوني الإقليمي، وقد أثبتت جبهات الإسناد والمواجهة المفتوحة من لبنان مرورًا بيمن الصمود وفلسطين والعراق وسورية أن مشاريع الهيمنة المطلقة لا يمكن أن تمر مرور الكرام طالما بقيت إرادة القتال والرفض حية.
ويلعب لبنان ومحور المقاومة دورًا محورية في إجهاض هذه المخططات عبر عدة أبعاد استراتيجية أهمها:
كسر احتكار الأمن الإقليمي، فإن صمود المقاومة وبيئتها وإفشالها لأهداف العدوان "الإسرائيلي" المستمر يسقط إمكان "إسرائيل" تقديم نفسها باعتبارها "الشرطي" القادر على حماية استقرار المنطقة وممراتها التجارية.
ربط المسارات وجعل العدوان مكلفًا، حيث أثبت محور المقاومة أن أي محاولة لعزل الساحات أو استفراد "إسرائيل" بكل طرف على حدة تكلف الاحتلال أثمانًا باهظة عسكريًا واقتصاديًا ومعنويًا، ما يمنع تكريس حالة الاستفراد التي يعتمد عليها مشروع خطوط الأنابيب والتطبيع القسري.
حماية القرار السيادي من السقوط التام، حيث يشكل المحور بصلابته الدرع الحقيقي الذي يحمي الدول العربية من التحول إلى مجرد ولايات طائعة أو تجمعات بشرية مسلوبة الإرادة تأتمر بأوامر واشنطن و"تل أبيب". فكل صاروخ يطلق وكل طائرة مسيرة تسقط في معركة الدفاع عن السيادة تمثل ضربة مباشرة في عصب مشروع "الشرق الأوسط الجديد" القائم على الهيمنة المطلقة.
نحو حتمية العودة إلى المنطق القومي والوطني والإسلامي
إن استقراء مآلات مخطط التفتيت الأميركي - "الإسرائيلي" يقود إلى نتيجة حتمية لا رجعة فيها مفادها أن استمرار الرهان العربي على الحماية الأميركية والاندفاع نحو مسارات التطبيع والاختباء خلف السراب "الإسرائيلي" لن يؤدي سوى إلى زوال الكيانات العربية والإسلامية، واندثار سيادتها، وتفكّك دولها لتتحوّل إلى كانتونات وولايات متفرقة ومجموعات بشرية عابثة بلا هوية ولا قرار، تأتمر بأوامر السادة الجدد في واشنطن و"تل أبيب".
من هنا، فإن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض على الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية، مراجعة جذرية وعميقة لمساراتها الاستراتيجية، والعودة العاجلة إلى المنطق الوطني، والقومي والإسلامي الأصيل، فإن استمرار كيانات هذه الدول لا يتحقق بمعاداة دول الجوار، وعلى رأسها إيران، بل بإدراك أن العدو الحقيقي المتربص بوجود الجميع هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومشروعهما التوسعي.
إن المبادرة الشجاعة لمد يد الأخوة والتعاون الإقليمي الشامل، وبناء منظومة أمن قومي وتجاري واقتصادي إسلامي - عربي مشترك يضم دول الخليج (الفارسي)وإيران وتركيا وباقي دول الإقليم، بمعزل عن التدخلات والأطماع الأميركية، هي طوق النجاة الوحيد، كما أن الشراكة الإقليمية الجيوسياسية المستندة إلى التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك هي الكفيلة بفتح الممرات وتأمينها، وحماية الثروات من النهب والابتزاز، وحفظ ما تبقى للأمّة من كرامة وسيادة ومستقبل على خريطة العالم.