kayhan.ir

رمز الخبر: 231891
تأريخ النشر : 2026October20 - 20:53

حزب الله يُربك حسابات خصومه: من رهانات الانهيار إلى استعادة القوة وفرض الحضور

 

عباس المعلم

 حين تتحوّل تقديرات الخصوم إلى أوهام سياسية، تصبح الوقائع الميدانية والمالية والمؤسساتية أبلغ من كل الخطابات. قبل أسابيع قليلة، كانت جوقة سياسية وإعلامية لبنانية وعربية، مسنودة بتقديرات ومواقف أميركية، تتسابق إلى إعلان نهاية حزب الله، وتصويره قوةً مستنزفة فقدت قدرتها على التأثير والمبادرة، وباتت عاجزة عن استعادة توازنها العسكري والمالي والسياسي. غير أنّ التطورات المتلاحقة بدأت تكشف، وفق قراءة مغايرة، عن فجوة عميقة بين ما أراد خصوم الحزب أن يكون عليه، وما لا يزال يمتلكه فعلياً من عناصر القوة والتماسك. فالمشكلة في تلك التقديرات لم تكن مجرد سوء قراءة لحجم الخسائر التي تعرّض لها الحزب، بل في الخلط الاستراتيجي بين إضعاف القوة وإسقاطها، وبين تراجع القدرة في مرحلة معينة وانهيار البنية التنظيمية والمؤسساتية برمتها. وهنا تحديداً تتبلور المفارقة: الحزب الذي أُريد له أن يغادر معادلة القوة اللبنانية والإقليمية، يعود تدريجياً إلى تثبيت حضوره بوصفه أحد أكثر الفاعلين تنظيماً وتأثيراً، ويقدم مؤشرات على أنه لا يزال، رغم الضربات، القوة الحزبية الأكثر تماسكاً في لبنان.

سياسياً، لم يكن الحضور الهجومي لكتلة الوفاء للمقاومة خلال جلسات مساءلة الحكومة في المجلس النيابي مجرد استعراض خطابي، بل عكَس انتقالاً من مرحلة امتصاص الضغوط إلى استعادة المبادرة السياسية. فقد بدا الحزب أكثر استعداداً لخوض المواجهة المباشرة مع خصومه، ورفض تحويل تداعيات الحرب إلى فرصة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية على حسابه. ولم تقتصر الرسائل على خصومه التقليديين، بل امتدت إلى بعض حلفائه السابقين، وفي مقدمهم التيار الوطني الحر، في سياق إعادة رسم حدود العلاقة السياسية على قاعدة أنّ الهجوم لن يبقى بلا ردّ، وأنّ التحالفات السابقة لا تمنح أصحابها حصانة من المواجهة. وهذه المقاربة، بصرف النظر عن الموقف منها، تشير إلى أنّ الحزب لم يعد يتصرف بعقلية القوة المحاصرة التي تبحث عن تسويات دفاعية، بل بعقلية طرف يسعى إلى إعادة تثبيت موقعه في معادلة القرار الوطني، وإفهام الداخل والخارج أنّ إضعافه عسكرياً لا يعني انتزاع قدرته على التأثير السياسي.

أما مالياً واجتماعياً، فتبرز المفارقة الأكثر إحراجاً لخصومه. فالإعلان عن حزمة مالية ضخمة لإيواء النازحين والمتضرّرين ممن دُمّرت منازلهم، قُدّرت بمئات ملايين الدولارات، جاء مناقضاً للتقديرات التي تحدثت عن نضوب موارده واختناق شبكاته التمويلية. وإذا صحت التقديرات المتداولة عن استمرار إنفاق شهري يقارب ثمانين مليون دولار لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية لمؤسساته الاجتماعية والتنفيذية وبناه السياسية والعسكرية والأمنية، فإنّ ذلك يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الحزب على المحافظة على مصادر تمويله وإعادة تنظيمها رغم العقوبات والحصار والضربات. وفي المقابل، تبدو المفارقة اللبنانية فادحة بين قدرة الحزب المعلنة على تعبئة موارد مالية بهذا الحجم، وبين عجز الدولة عن تأمين مبالغ متواضعة نسبياً لإيواء المتضرّرين، رغم الوعود المتكررة من الجهات الدولية والعربية الداعمة لها. ومع أنّ هذه الأرقام تحتاج إلى تحقق مستقلّ، فإنّ دلالتها السياسية، إنْ تأكدت، تتجاوز البعد المالي إلى قدرة الحزب على المحافظة على شبكته الاجتماعية، وهي إحدى ركائز نفوذه واستمراريته.

عسكرياً وأمنياً، جاءت تصريحات النائب حسن فضل الله بشأن ملكية الحزب لشحنة المواد المتفجرة المضبوطة على طريق البقاع، ومطالبته باستعادتها باعتبارها جزءاً من سلاح المقاومة في مواجهة “إسرائيل”، لتضيف مؤشراً بالغ الحساسية إلى المشهد. فبعيداً عن الجدل القانوني والسيادي الذي يثيره هذا الموقف، فإنّ دلالته السياسية تكمن في أنّ الحزب لا يتصرف باعتباره قوة فقدت شرعية سلاحها في تصوّرها الذاتي أو تخلّت عن خيار المواجهة، بل يؤكد علناً استمرار تمسكه ببنيته العسكرية ووظيفتها الردعية. ويتقاطع ذلك مع ما تتداوله التقديرات “الإسرائيلية” بشأن مساعي الحزب إلى ترميم قدراته البشرية والتسليحية ورفع جاهزيته لمواجهة محتملة، وإنْ كانت درجة نجاح هذه المساعي وحجم القدرات المستعادة لا يمكن حسمهما استناداً إلى التصريحات وحدها. فإعادة بناء القوة العسكرية ليست مسألة إعلان سياسي، وإنما عملية مركبة تتطلب الوقت والموارد والقدرة على تجاوز الاختراقات والضربات، لكن استمرار هذه العملية بحدّ ذاته يناقض فرضية الانهيار النهائي التي روّج لها خصوم الحزب.

استراتيجياً، تكمن الخلاصة في أنّ واشنطن وحلفاءها ربما نجحوا في إلحاق أضرار جسيمة بحزب الله، لكنهم لم يثبتوا بعد قدرتهم على تحويل تلك الأضرار إلى إقصاء سياسي أو تفكيك مؤسّساتي أو إنهاء لدوره العسكري. والأهمّ أنّ استعادة الحزب بعض عناصر المبادرة الداخلية تنعكس على موقعه الإقليمي، باعتباره طرفاً لم يخرج نهائياً من حسابات الصراع مع إسرائيل ولا من شبكة التوازنات المرتبطة بإيران وحلفائها. ومن هنا، فإنّ الحديث عن عودة الحزب إلى سابق قوّته يحتاج إلى تدرج أكثر بالمرحلة المقبلة وفق ما تفرضه الظروف والاحداث، لكن الجزم بانتهائه يبدو بدوره قراءة متعجّلة تفتقر إلى الدقة والوقائع. وبين المبالغة في إعلان انتصاره والمبالغة في إعلان سقوطه، تتقدّم حقيقة سياسية يصعب تجاوزها: حزب الله لا يزال قوة مركزية في لبنان، وما بدأ يستعيده من حضور وتنظيم وقدرة على المبادرة يضع خصومه أمام معادلة لم تكن في حساباتهم؛ فإضعاف القوة شيء، والقدرة على شطبها من التاريخ والجغرافيا وموازين النفوذ شيء آخر تماماً…

captcha