بعد أربعة رهانات فاشلة: ماذا ينتظر ترامب؟
ناصر قنديل
بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات رابطاً ذلك بالحاجة لإنجاز المهمة، والمقصود هو جولة حرب جديدة ضد إيران، صار السؤال عن فرضية الحرب الأميركية الإسرائيلية على الطاولة بقوة، لجهة التساؤل عن جدية حديث الحرب وجدواه، وما هو الجديد الذي يملكه ترامب ونتنياهو لحرب جديدة تحتاج رهاناً جديداً؟
قرار الحرب على إيران محكوم بسؤال الرهان الذي يستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية. ومنذ حزيران 2025، انتقلت واشنطن وتل أبيب بين أربعة رهانات: الضربة الخاطفة، والانفجار الداخلي، وقطع رأس الدولة، ثم تغيير موازين الإقليم. وكل انتقال كشف أن الجولة السابقة لم تحقق غايتها. لذلك فإن تهديدات اليوم تُقرأ على ضوء حصيلة هذه التجارب وتكلفتها، وعلى أساس وجود أداة جديدة تغيّر النتيجة، لا بمجرد امتلاك الطائرات والقنابل وإمكان إصدار أمر بإطلاقها.
بدأت الجولة الأولى في 13 حزيران 2025؛ عندما جمع الهجوم الإسرائيلي ضرب المنشآت النووية ومنصات الصواريخ واغتيال القادة، فيما خاطب بنيامين نتنياهو الإيرانيين بأن يوم تحرّرهم يقترب. كانت الفكرة أن يؤدي الانكشاف العسكري إلى انهيار سياسي، وأن تتحول شبكات الاختراق الأمني إلى رافعة للمعارضة. لكن بعد خمسة أيام، في 18 حزيران، نشرت «وول ستريت جورنال» تحذيراً من تناقص صواريخ «حيتس» الاعتراضية، بعدما صار استمرار الحرب يستهلك قدرة الحماية الإسرائيلية، فيما واصلت إيران إطلاق الصواريخ.
في 22 حزيران نفذت أميركا عملية «مطرقة منتصف الليل»، حيث قامت سبع قاذفات «بي 2»، ضمن قوة تقارب 125 طائرة، وأربع عشرة قنبلة خارقة للتحصينات، باستهداف فوردو ونطنز، بالتزامن مع صواريخ على أصفهان. وبعد الرد الإيراني على قاعدة العديد في 23 حزيران، أعلن ترامب وقف النار الذي دخل التنفيذ في 24 منه. وعندما جهزت “إسرائيل” رداً جديداً، تدخل دونالد ترامب لكبحه. وكذا انتهت حرب الأيام الاثني عشر ببقاء الدولة الإيرانية وقرارها الصاروخي، وسقط رهان إنجاز كل شيء في ضربة واحدة.
انتقل الرهان الثاني إلى الداخل. بدأت الاحتجاجات الاقتصادية في 28 كانون الأول 2025، ودعا ترامب في 13 كانون الثاني 2026 إلى مواصلتها والسيطرة على المؤسسات، واعداً بالمساعدة. ودفع رضا بهلوي نحو استمرار التحرّك وانضمام الجيش إليه. ووصفت بعثة إيران في الأمم المتحدة أحداث 8 إلى 10 كانون الثاني بأنها محاولة جماعات مسلحة الاستيلاء على احتجاجات معيشية. وفي معركة الاتصالات، واجهت طهران شبكة «ستارلينك» بالتشويش وملاحقة محطاتها. وعلى إيقاع المبادرة التكنولوجية استعاد الأمن السيطرة على الشوارع، ولم تنتج الاحتجاجات انشقاقاً عسكرياً يفتح طريق إسقاط السلطة.
الجولة الثالثة صيغت في واشنطن، كما كشف جوناثان سوان وماغي هابرمان في «نيويورك تايمز»، في 7 نيسان، عن تفاصيل اجتماع 11 شباط بغرفة العمليات؛ حيث حضر إلى جانب ترامب كلٌّ من سوزي وايلز وماركو روبيو وبيت هيغسيث ودان كين وجون راتكليف وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وشارك مع نتنياهو رئيس الموساد ديفيد برنياع عبر الشاشة. عرض نتنياهو تدمير الصواريخ خلال أسابيع، وعجز إيران عن إغلاق هرمز وضرب المصالح الأميركية، وانتفاضة يسندها الموساد ومقاتلون أكراد يعبرون من العراق، وعُرض بهلوي ضمن بدائل الحكم.
في مراجعة 12 شباط وصف راتكليف سيناريو تغيير النظام بالهزلي، ووافقه روبيو. وحذّر كين من استنزاف الاعتراضات وصعوبة تأمين هرمز. وفي اجتماع 26 شباط، الذي استغرق تسعين دقيقة، أيّد هيغسيث الهجوم، وقَبِل روبيو هدف تدمير الصواريخ، بينما قال جيه دي فانس إنه يراه قراراً سيئاً، ولكنه سيدعمه. غابت تولسي غابارد وسكوت بيسنت وكريس رايت عن جلسة الحسم. ورغم ذلك أجاز ترامب العملية في 27 شباط، فبدأت الحرب في اليوم التالي.
كان الرهان أن قتل القيادة وضرب المؤسسات يفضيان إلى الانهيار أو الاستسلام. لكن جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، استقال في 17 آذار معلناً غياب تهديد إيراني وشيك. وفي 18 آذار قالت غابارد أمام مجلس الشيوخ إن النظام بقي متماسكاً، وأكدت أن الاستخبارات توقعت استخدام هرمز ورقة ضغط. وبينما استمرت الضربات، أصابت إيران القواعد والمصالح الأميركية وأمسكت بالمضيق. تحوّلت محاذير كين إلى وقائع، ولم تحوّل الاغتيالات القدرة على التدمير إلى قدرة على فرض الاستسلام.
أعلن ترامب في 7 نيسان هدنة أسبوعين وقَبِل الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر أساساً قابلاً للتفاوض. ثم جاءت مذكرة 17 حزيران، بأربعة عشر بنداً ومهلة ستين يوماً لإنهاء الحرب بما يشمل لبنان، ورفع الحصار البحري خلال ثلاثين يوماً، واستثناءات لصادرات النفط، وإتاحة الأموال المجمّدة، والتفاوض على البرنامج النووي، وخطة إعمار لا تقلّ عن 300 مليار دولار. فانتقلت واشنطن من وعد إسقاط الدولة إلى التفاوض معها على الإمدادات والأمن الإقليمي؛ وهذه هي الدلالة السياسية للهزيمة أمام الأهداف المعلنة.
بعد ثمانية أيام، انعقد اجتماع المنامة في 25 حزيران برئاسة روبيو وأمين عام مجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني. ورغم ترحيب البيان بالمذكرة، قامت بتحضير الانقلاب عليها عندما أعادت الصواريخ والمسيّرات والحلفاء الإقليميين إلى جدول المطالب، وربطت التجارة والاستثمار بشروط قابلة العكس. وطالبت بملاحة غير مشروطة، وأيّدت المسار اللبناني المنفصل ونزع سلاح القوى غير الحكومية. هنا تبلور الرهان الرابع عبر تغيير البيئة التي فرضت المذكرة، من خلال ممر عُماني يتجاوز التحكم الإيراني، ومحاصرة المقاومة اللبنانية، وحسم يمني تقوده السعودية وحكومة عدن، يعيد واشنطن إلى التفاوض بميزان جديد.
الحصيلة الراهنة تعكس تعثر المسارات الثلاثة. ففي 25 آب أعلن بدر البوسعيدي وعباس عراقجي إطار ممر مؤقت مشترك وإزالة الألغام، فعادت الترتيبات البحرية إلى الشراكة مع إيران، بينما تواظب إيران خلال أسبوع على التشدد في إجراءات إقفال مضيق هرمز. وفي لبنان بقي الاحتلال واستمرت المقاومة، ولم يتحقق نزع السلاح الموعود، ودخل الاتفاق اللبناني الإسرائيلي في مأزق التنفيذ رغم الرعاية الأميركية، كما قال مستشار رئيس الجمهورية اللبناني جوزف عون. وفي اليمن بدأت «فجر اليمن» في 5 تشرين الأول تحت عنوان الدخول إلى صنعاء، ثم انشغلت قواتها بحماية الساحل وتعز. وفي 17 تشرين الأول حذّر معين عبد الملك من أن معركة تعز تخص غرب اليمن كله، وأن امتداداتها تشمل عدن ولحج ومأرب، فيما ثبتت حكومة صنعاء أقدامها في الساحل وصولاً إلى باب المندب.
كلفة إعادة التجربة تتراكم كل مرة على مشهد عسكري شديد الصعوبة، خصوصاً في مجال الصواريخ الاعتراضية؛ حيث قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 27 تموز مخزون «باتريوت» بأقل من ألف اعتراض، و«ثاد» بنحو 250. والسعودية التي اشترت 730 صاروخ باتريوت بتسعة مليارات دولار لا تحصل على تعويض فوري. وفي 16 تشرين الأول لامس برنت 110 دولارات وأغلق عند 109.86، وبلغ الديزل الأميركي 6.32 دولارات للغالون. وفي اليوم السابق خسر مؤشر «كوسبي» الآسيوي 7.57%، بحيث تمتد كلفة الحرب من حماية القواعد إلى تمويل الشركات ومعيشة الناخبين، وتضغط على قابلية الحلفاء لتحمل جولة إضافية.
لم يعد العطب محصوراً في مخزون الاعتراضات؛ حذرت وكالة الطاقة الدولية في منتصف تشرين الأول من امتداد نقص الديزل إلى 2027، وأفرجت عن أكثر من عشرين مليون برميل بعدما طُرحت خمسون مليوناً. كذلك أعلنت رويترز في 12 تشرين الأول غياب رؤساء شركات إكسون وشل وتوتال وشيفرون وبي بي عن برنامج مؤتمر الطاقة في الرياض عقب ضربات المطار. وهكذا أصاب الرد اليمنيّ صورة السعودية مركزاً آمناً للاستثمار، وجعل كلفة انتظار الحسم تتجاوز الجبهة العسكرية إلى الاقتصاد ومكانة الحلفاء.
لا يقدّم الفصل بين ما قبل الانتخابات الأميركية وما بعدها تفسيراً كافياً. تغيير التاريخ لا يعيد الذخائر ولا يفتح هرمز ولا يصنع قوة برية يمنية منتصرة. ما ينتظره ترامب، في هذه القراءة، هو حصيلة اليمن وانتخابات “إسرائيل” في 27 تشرين الأول، أكثر من انتظار اقتراع الكونغرس في 3 تشرين الثاني. فهل يتحدث عن الحرب فيما يريد العودة إلى مضمون المذكرة لكن بشرط أن تكون معه السعودية و”إسرائيل”، وبصيغ يستطيع حلفاؤه تسويقها، من جهة حوار يمني برعاية إقليمية يفتح المنافذ، ومن جهة مقابلة انسحاب إسرائيلي يُنسب إلى اتفاق الإطار، وربما حكومة إسرائيلية تقدر على تمريره؟ فيما يبدو أن المأزق هو في البحث عن مخرج مقبول من نتائج الحرب، فهل يسبق الهروب إلى الأمام الخيارات العقلانية؟