kayhan.ir

رمز الخبر: 231706
تأريخ النشر : 2026October17 - 21:01

اليمن والسعودية.. زمام الحرب بيد صنعاء

 

– لم يعد السؤال في الحرب اليمنية متى تستعيد حكومة عدن طريقها إلى صنعاء، بل كيف تمنع انتقال المعركة إلى المواقع التي يتوقف عليها بقاؤها. وعلى الضفة السعودية، يتراجع السؤال عن حجم الضربات القادرة على إخضاع صنعاء، ليحل مكانه سؤال حماية المطارات والمنشآت النفطية ومراكز النشاط الاقتصادي. هكذا تبدّل جدول الحرب؛ فالطرف الذي أعلن الهجوم لاستعادة المبادرة يجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن تعز وتأمين عدن وحماية العمق السعودي، بينما تملك صنعاء اختيار محاور الضغط وتوقيت التصعيد.

– برياً، تكشف جبهة تعز حجم هذا التحول. فقد أوردت “رويترز”، في السادس عشر من تشرين الأول، أن القوات الحكومية المدعومة بالغارات السعودية كانت لا تزال تخسر مواقع حول المدينة، بدلاً من استعادة الأراضي وفتح الطريق إلى عدن. وهذه واقعة تضع نتائج المعركة في مواجهة أهدافها المعلنة؛ فالقوة التي تحتاج إلى استرداد طرق إمدادها وفك الضغط عن مواقعها الأساسية تفقد القدرة على إدارة هجوم استراتيجي نحو عاصمة خصمها.

– وتكتسب تعز أهميتها من اتصالها بالجبهات الأخرى. فالضغط عليها يهدد المرتفعات التي تحمي المداخل الشمالية لعدن، ويثقل قدرة حكومة عدن على مواصلة القتال حول باب المندب. ومع التوسع في محاور الساحل، تتصل المعارك باتجاه لحج ومداخل الجنوب. لذلك يتجاوز أثر تقدم صنعاء مساحة الموقع الذي تكسبه؛ فهو يفرض على خصمها توزيع التعزيزات بين جبهات متباعدة، ويستهلك احتياطاته في منع اختراقات جديدة، بدلاً من تجميعها لهجوم يعكس اتجاه الحرب.

– وفي هذا السياق، يصبح دفع تعزيزات إلى جبهة المضاربة في الصبيحة بمحافظة لحج مؤشراً على انتقال القلق إلى خطوط الدفاع عن الجنوب. وقد أوردت وسائل إعلام مؤيدة للحكومة توجيهات بإرسال وحدات إضافية إلى هذه الجبهة. حتى الرواية المقابلة لصنعاء تكشف بذلك أن المعركة باتت تتطلب حماية مواقع أبعد من خطوط الهجوم الأولى، وأن الدفاع عن تعز والساحل يتداخل مع حسابات حماية عدن نفسها.

– نارياً، دخلت عدن دائرة الاستهداف المباشر، وصولاً إلى قصر المعاشيق ومطار عدن. ومع انتقال الصواريخ إلى مقرّ السلطة، تتقلص المسافة بين الجبهة والعاصمة المؤقتة، وتفقد حكومة عدن ميزة إدارة الحرب من خلفية آمنة. وتستطيع صنعاء الجمع بين الضغط على القوات في الميدان وإرباك مراكز القيادة والإدارة، فتجعل كلفة استمرار الحرب موزعة على الجبهة والعمق معاً.

– أما السعودية، فإن الرهان على فرض معادلة ردع نارية تحمي منشآتها الحيوية لم يعد واقعياً في ضوء استمرار الرمايات. ففي السادس عشر من تشرين الأول، أعلن التحالف اعتراض صاروخ بالستي باتجاه ينبع، وصاروخين مجنحين فوق البحر الأحمر، وثلاث مسيّرات فوق الجنوب ومنطقة الرياض. وتكشف هذه الحصيلة، بصرف النظر عن نتائج كل اعتراض، اتساع الجغرافيا التي تحتاج إلى حماية واستمرار قدرة صنعاء على تشغيل أكثر من وسيلة هجومية وأكثر من محور.

– وتزداد صعوبة هذه المهمة مع التقارير عن تناقص الصواريخ الاعتراضية السعودية. فامتلاك منظومات متقدمة لا يحسم المشكلة عندما يصبح المطلوب تأمين ذخائرها طوال حرب مفتوحة. وكل رمية جديدة تفرض قراراً دفاعياً واستهلاكاً إضافياً، بينما لا تظهر في المعطيات المتاحة إمدادات قريبة بالحجم والسرعة اللذين يضمنان تعويض الاستنزاف. شراء المنظومات شيء، وتجديد مخزونها بوتيرة تواكب الهجمات شيء آخر.

– في المقابل، تعطي كثافة الرمايات الصاروخية والمسيّرة لصنعاء بمعدل يزيد عن عشرة صواريخ يومياً، مؤشراً عملياً إلى قدرتها على مواصلة القتال. لا تحتاج قراءة هذا المؤشر إلى معرفة العدد المخزن في المستودعات؛ يكفي أن يستمر إطلاق الصواريخ على مسافات بعيدة، بالتزامن مع إدارة معارك برية وضغوط على عدن. وهذا يرجّح أن صنعاء لا تتصرف بمنطق الذخيرة الأخيرة، بل بمنطق الاحتفاظ بهامش يسمح بإطالة الحرب وتوزيع وسائلها وفق الأولويات.

– من هنا، تبدو استعادة زمام الحرب البرية لمصلحة حكومة عدن مستحيلة ضمن الأدوات والموازين القائمة، مثلما يبدو تحييد النيران اليمنية عن المنشآت السعودية هدفاً يبتعد مع استمرار الاستنزاف. والطيران الذي لا يحوّل غاراته إلى تقدم بري ثابت، والدفاع الجوي الذي يستهلك ذخائره لحماية جغرافيا واسعة، لا يصنعان انقلاباً في ميزان المبادرة.

– زمام الحرب اليوم بيد صنعاء: برياً تختار مواضع الضغط، ونارياً توسّع دائرة الكلفة. وكل يوم يمر من دون تغيير فعلي في هذه المعادلة ينقل السعودية وحكومة عدن من البحث عن شروط النصر إلى البحث عن شروط وقف الاستنزاف.

البناء

captcha