زيتون الجنوب مغمَّسٌ بالدَّم
عماد خشمان
حين يصبح قطاف الزيتون مواجهةً مع الاحتلال وتغدو العودة إلى الأرض فعلَ انتماءٍ ومقاومة
ليست شجرة الزيتون في الجنوب شجرةً تُثمر فحسب؛ إنها حكاية شعبٍ متجذّر في أرضه، وذاكرة أجيالٍ كتبت على جذوعها أسماء الآباء والأبناء، وروّت جذورها بعرقها ودمائها، وحين يُحرم الجنوبي من الوصول إلى زيتونه، أو يُستهدف وهو يقطف ثماره، فإنّ الاعتداء لا يقع على موسمٍ زراعي فحسب، بل على علاقة الإنسان بأرضه وحقه في الحياة والكرامة والأمان.
زيتونةٌ تعرف أصحابها
في جنوب لبنان، موسم الزيتون موعدٌ متوارث بين الأرض وأهلها، تتعاقب عليه الأجيال كما تتعاقب الفصول، يعرف الجنوبي أشجاره، ويحفظ أعمارها، ويعرف أيَّ شجرة زرعها أبوه أو جدّه لتبقى شاهدةً على أن لهذه الأرض أصحاباً لا تمحوهم السنون.
فالزيتون في الوجدان الجنوبي ليس مصدر رزقٍ فحسب، بل جزءٌ من البيت والذاكرة والهوية، هو تعب الآباء، وابتسامة الأمهات، وفرحة الأطفال بالزيت الجديد، وثمارٌ ادّخرتها العائلات لأيام الشدة، إنه إرثٌ تتناقله الأجيال، ودليلٌ على أن الأرض، مهما قست الظروف، تمنح الحياة لمن يرعاها.
لكن أيَّ موسمٍ هذا الذي يقف فيه المزارع أمام أشجاره خائفاً، ويتساءل إن كان سيعود إلى منزله سالماً؟ وأيُّ قطافٍ هذا الذي تختلط فيه فرحة الثمر بمرارة الفقد، ويصبح فيه الوصول إلى الحقل مغامرةً محفوفةً بالموت؟
حين يصبح الرزق هدفاً للعدوان
على امتداد سنوات العدوان والتهجير، دفع أبناء الجنوب ثمناً باهظاً من أمنهم واستقرارهم وأرزاقهم، غادرت عائلاتٌ قراها قسراً، وابتعد مزارعون عن حقولهم وأشجارهم، وحُرموا مواسم الزراعة والقطاف، فيما بقيت الأرض التي أفنوا أعمارهم في رعايتها تناديهم من وراء الخوف والنار.
وتتضاعف المأساة حين يتعرّض المدنيون للقصف وإطلاق النار وهم يتفقّدون ممتلكاتهم أو يعملون في أراضيهم، فالمزارع الذي يسعى إلى رزقه لا يشكّل تهديداً لأحد، والعائلة التي تنتظر محصولها لا تطلب امتيازاً، إنما تمارس حقها الطبيعي في العمل والعيش بكرامة، ومع ذلك، يجد الجنوبي نفسه أمام خطرٍ يلاحقه حتى في الحقول التي ورثها عن آبائه.
ولا تقف الأضرار عند حدود الخسائر البشرية والمحاصيل، بل تمتدّ إلى تجريف الأراضي وتدمير الأشجار واقتلاعها وسرقتها وتخريب الممتلكات الزراعية في المناطق الواقعة تحت الاحتلال، فالشجرة التي تُقتلع لا تفقد موسمها وحده، بل سنواتٍ من الرعاية والإنتاج، وقد تحتاج استعادتها إلى أعوام، وهكذا يتحوّل الاعتداء على الأرض إلى استنزافٍ لمصادر العيش، وتهديد لقدرة السكان على العودة والاستقرار.
إنّ استهداف المدنيين وممتلكاتهم، وما يرافقه من تدميرٍ لمقومات الحياة، ليس تفصيلاً عابراً في سجل الاعتداءات الصهيونية، إنه مساسٌ بحقوق السكان وأمنهم الاقتصادي والاجتماعي، ويستدعي موقفاً واضحاً يحمي الناس ويصون حقهم في أرضهم.
ثلاثة شهداء في يومين والأرض تنزف مع أصحابها
جاءت الوقائع الأخيرة لتجسّد هذه المأساة بوجوهها الأكثر إيلاماً، ففي يومي الأحد والاثنين، 11 و12 تشرين الأول الحالي، استشهد ثلاثة لبنانيين في حوادث مرتبطة بالأرض ومخلّفات العدوان الإسرائيلي.
في فرون، استشهد المهندس حسين علي رمضان إثر انفجار جسم من مخلّفات العدوان في منطقة وادي الخنازير، أثناء عمله في أرض زراعية. وفي ياطر، استشهد المؤهّل الأول المتقاعد في الجيش اللبناني علي عبد الحسن سويدان بعدما استهدفته دبابة إسرائيلية مباشرة أثناء تفقّده ممتلكاته، ثم استشهد المؤهّل في قوى الأمن الداخلي إدغار جيلو في عين إبل، إثر انفجار جسم من مخلّفات العدوان أثناء عمله في أرض زراعية.
ثلاثة شهداء، لكلٍّ منهم حياته وأهله وذكرياته، جمعتهم الأرض، وفرّقتهم مخاطر الحرب التي لا تزال تلاحق الجنوبيين حتى في ممتلكاتهم وحقولهم.
إنّ هذه الوقائع تكشف وجهين لمأساة واحدة: الاستهداف العسكري المباشر، والموت الذي تتركه الحرب كامناً في التراب بعد توقف القصف، فإذا نجا المزارع من النيران، فقد يواجه جسماً متفجراً لم ينفجر خلال العمليات العسكرية، لكنه يظلّ متربصاً بمن يعود إلى أرضه.
ولا تنتهي مسؤولية حماية المدنيين بانحسار القصف، بل تقتضي إزالة الذخائر غير المنفجرة، وتأمين الحقول، وتوعية السكان بمخاطرها وتمكينهم من العودة الآمنة، فمن الظلم أن يصبح تفقد الممتلكات أو العمل في الأرض امتحاناً يومياً للحياة، وأن يدفع الجنوبي ثمن عدوانٍ غاشمٍ ظالم طالت قراه وحقوله وحياته اليومية.
التهجير لا يقتلع جذور الانتماء
قد تُغلق الطرق، وقد تمنع النيران المزارع من بلوغ حقله، وقد تُرغم الاعتداءات عائلةً على مغادرة منزلها قسراً، لكن ذلك لا ينهي علاقتها بأرضها، ولا يسقط حقوقها في قراها وممتلكاتها، ولا يمنح الاحتلال شرعيةً لا يملكها.
الجنوبي الذي ينتظر العودة إلى قريته لا يحمل في ذاكرته صورة منزلٍ غائب فحسب، إنه يتمسك بحقه في استعادة حياته، والمزارع الذي يتحسّر على ثمارٍ قد تتساقط من دون أن تمتدّ إليها يداه لا يتخلى عن أرضه، بل يرى في حرمانه منها خسارةً تمسّ هويته وكرامته ومستقبل أبنائه.
لذلك، ليست العودة حركةً في الجغرافيا وحدها، بل استعادةٌ للحياة والحقوق، وإعادة إعمار البيوت، وتأهيل البساتين، واستئناف مواسم القطاف، خطواتٌ ضرورية لترميم ما دمّره العدوان، لكنها لا تكتمل من دون إنهاء الاحتلال وتأمين عودة السكان إلى أرضهم بأمان.
ولا يجوز أن يُترك المزارع وحده في مواجهة هذه المخاطر، فحماية المدنيين مسؤولية وطنية، ودعم العائلات المتضررة وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية واجبان لا ينبغي أن يضيعا وسط الأحقاد والمناكفات والتجاذبات السياسية، ومن حق الجنوبي أن يجد دولته ومجتمعه إلى جانبه، لا أن يُترك وحيداً في مواجهة الاعتداءات وتداعياتها.
لا استقرار مع استمرار الاحتلال
إنّ جوهر المأساة الجنوبية لا يكمن في الخسائر الزراعية وحدها، بل في استمرار الاحتلال والاعتداءات ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، ولا يمكن اختزال القضية في مساعداتٍ موسمية أو وعودٍ بإعادة الإعمار، على أهميتها، ما دامت أسباب الخطر قائمةً والأرض عرضةً للاعتداء.
فالسيادة لا تُقاس بالبيانات، وحماية المواطنين لا تتحقق بمجرد مطالبتهم بالصبر، والاستقرار لا يُبنى على افتراض أنّ المعتدي سيتوقف من تلقاء نفسه، المطلوب موقفٌ وطني واضح يضع حماية الناس والأرض في صدارة الأولويات، ويعمل على إنهاء الاحتلال، وتثبيت الحقوق، وتأمين عودة المهجّرين، وإعادة إعمار قراهم، ومواجهة الاعتداءات بالوسائل المشروعة.
أما الاستعداد للتضحية، الذي رافق تاريخ الجنوب في مواجهة الاحتلال، فليس حباً بالموت ولا استخفافاً بالحياة، بل تمسّكٌ بحقوق لا يجوز التفريط بها تحت ضغط القوة الظالمة، فالتضحية الحقيقية هي التي تصون الإنسان والأرض والمستقبل، وتمنع تحويل التهجير القسري إلى واقعٍ دائم تتوارثه الأجيال.
سيعود الزيتون إلى أصحابه…
سيأتي يومٌ يقف فيه المزارع الجنوبي تحت شجرته مطمئناً، ويمدّ يده إلى أغصانها بفضل تضحيات المقاومين والصامدين الصابرين، من دون أن يترقب صوت الطائرة أو دويّ القذيفة، سيجمع ثمار الموسم مع أبنائه، كما فعل آباؤه وأجداده، ويعود إلى الحقل الذي حفظ خطواته، وإلى التراب الذي امتزج بعرق أجيالٍ من أهله.
قد تكون الطريق إلى ذلك اليوم مثقلةً بالخسائر والآلام والدماء، لكن التهجير لا يُسقط الحقوق، والعدوان لا يمحو الانتماء، فالأرض ليست مساحةً تُقاس بالكيلومترات، إنها كرامةٌ وذاكرةٌ وهوية شعب، وحقٌّ لا يسقط تحت وطأة القوة.
زيتون الجنوب مغمَّسٌ بالدم، نعم؛ لكن دماء الشهداء ليست نهاية الحكاية، بل شهادةٌ على فداحة العدوان والمتواطئين معه وعمق الصلة بين الإنسان وأرضه، وستبقى أشجار الزيتون شاهدةً على أن جذور الجنوبيين أعمق من محاولات الاقتلاع، وأنّ إرادة العودة أقوى من الخوف، وأن موسم القطاف الحقيقي لن يكتمل إلا حين يعود أصحاب الأرض إلى أرضهم أحراراً أعزَّاء آمنين مرفوعي الرأس، متمسكين بحقوقهم، وقد انكسر عن ترابهم قيد الاحتلال.