اليد العليا في حرب اليمن: دخول صنعاء أم عدن؟
تُقاس اليد العليا في الحرب بقدرة أحد الطرفين على فرض جدول المعركة على خصمه، وإجباره على نقل قواته وتعديل أهدافه تحت الضغط. ومن هذه الزاوية، تشير حصيلة الأيام الأولى لعملية «فجر اليمن» إلى انتقال المبادرة لمصلحة أنصار الله. فالعملية التي رُفعت تحت عنوان استعادة صنعاء تواجه الآن أسئلة الدفاع عن تعز، والاحتفاظ بالمكاسب الساحلية، وحماية مقر الحكومة في عدن. وهذه مسافة تكشف اتجاه المواجهة؛ لأن الطرف الذي أعلن الهجوم يجد نفسه مضطراً إلى توزيع جهده لاحتواء تهديدات تتسع جغرافياً.
– حققت القوات الحكوميّة تقدماً في بداية العملية على محور باب المندب وذوباب ظهر لاحقاً أنه كان تقدماً إعلامياً؛ لأن زخم البداية لم يصمد أمام وقائع الأيام التالية. حيث يُقرّ تقرير «العربي الجديد» المنشور في الخامس عشر من تشرين الأول بتعثر التقدم نتيجة الألغام وصعوبات الميدان والإمداد، وبأن بقية الجبهات في مأرب والجوف والبيضاء وصعدة وميدي لم تتحرك بالزخم المنتظر. وفي المقابل، سجل التقرير تقدّماً لأنصار الله في أرياف تعز، بما يفتح جبهة جبلية موازية تؤثر في العمليات الساحلية. ومعنى ذلك أن القوات الحكومية لم تنجح في فرض معركة متزامنة تشتت قوات خصمها، بينما باتت هي تواجه ضغطاً على أكثر من اتجاه.
– على الساحل، تكتسب أخبار استعادة مطار ذوباب أهميّتها من موقعه في رواية الإنجاز الحكومي عند انطلاق العملية. فقد أعلن موقع «تعز اليوم»، ناقلاً رواية صنعاء، السيطرة على المطار ومواقع للعمالقة ودرع الوطن، وتدمير آليات ووقوع أسرى. وهذه السيطرة تعني استرداد موقع كان يُفترض أن يكون قاعدة لتوسيع الهجوم الحكومي، وتحويله إلى شاهد على تراجعه؛ لأن اتجاه المعركة حول المطار يضع أبرز نتائج البداية الحكومية تحت ضغط مباشر.
– في تعز، يدور الاختبار الأشد تأثيراً في مستقبل الحرب. فجبل هان يشرف على طريق الضباب والأحياء الغربية، ولذلك يتصل مصيره بقدرة المدينة على الاحتفاظ بمنافذها وبقدرة القوات الحكومية على المناورة. أعلن محور تعز صد هجوم على الجبل، بينما تحدثت مصادر قريبة من صنعاء عن انسحاب منه وانتقال الاشتباكات إلى عقاقة ومحيط الجامعة. وتظهر الروايتان أن المعركة تتمركز عند مواضع حساسة للدفاع عن المدينة. فالطرف المهاجم يضغط على المواقع التي تمسك طرق الحركة والإمداد، والطرف المدافع يستهلك جهده في منع انتقال القتال إلى عمق أحيائه.
– يتجاوز أثر تعز حدودها الإدارية؛ فالتوسع الساحلي، إذا اقترن بالسيطرة على المدينة وتأمين محيطها، يقرّب الضغط البرّي من محافظة لحج ومن المداخل المؤدية إلى عدن. وتتيح السيطرة على عقدة تعز تقليص الجبهة الخلفية التي تحتاج قوات صنعاء إلى مراقبتها، وتوفير مجال أوسع لتركيز القوة جنوباً. عندها تصبح لحج ساحة دفاع متقدّمة عن عدن، ويواجه مقر الحكومة احتمال اقتراب الحرب البرية منه. هكذا يمكن أن تنقلب وظيفة العملية من التقدّم نحو العاصمة التي وُعِدت باستعادتها إلى حماية العاصمة التي تعمل منها.
– دخلت عدن بالفعل دائرة الضغط عبر استهداف مجمع معاشيق. وأعلن وزير الصحة في الحكومة مقتل خمسة أشخاص وإصابة ستة عشر من الحراسات والعاملين المدنيين، وقالت صنعاء إن المستهدف مقرّ عمليات عسكرية داخل المجمع. ولا يحل الاستهداف الصاروخي محل التقدم البري، لكنه يضيف إلى معركة الحكومة على الجبهات عبء حماية مركزها، ويظهر قدرة خصمها على نقل التهديد إلى مكان اتخاذ القرار. واقتران هذا الضغط باحتمال اقتراب الجبهات من لحج يمنح الضربة معناها الأوسع.
– تظهر اليد العليا أيضاً في العلاقة بين الميدان والتفاوض. فالاتصالات لإدخال الوقود والغاز إلى تعز تجري بينما تستمر المعارك على منافذها، وقد أعلنت لجنة الطوارئ انتظار رد أنصار الله، مقابل تأكيد صنعاء أن الطرق مفتوحة من جانبها. ويعني ذلك أن الحركة الطبيعية للإمدادات ما زالت تحتاج إلى ترتيبات واتصالات. ومن يمسك بالمواقع المؤثرة في المرور يمتلك قدرة على التأثير في شروط تلك الترتيبات؛ لذلك تصبح مكاسب المرتفعات والطرق موارد تفاوضية، فيما تتراكم على الطرف المحاصر بالأزمات مسؤولية تأمين حاجات السكان واستمرار دفاعاته.
– بناءً على هذه الحصيلة، اليد العليا الآن لأنصار الله، بمعنى امتلاك المبادرة والقدرة على توسيع الضغط وإجبار الخصم على الدفاع، دون أن يعني ذلك انتهاء الحرب. والاختبار المقبل هو تحويل هذه المبادرة إلى سيطرة مستقرة ومكاسب تفاوضية. أما القوات الحكومية، فتحتاج إلى أكثر من إعلان أعداد الاستهدافات: تحتاج إلى وقف التراجع، وتأمين تعز، وتثبيت مواقع الساحل، وإظهار قدرة على التقدم المتواصل. وحتى يتحقق ذلك، تبقى المفارقة الحاكمة للمشهد أن عملية بدأت بوعد الوصول إلى صنعاء باتت تُقاس بقدرتها على منع اقتراب التهديد من عدن.
البناء