بطلة كربلاء وجبل الصبر والمقاومة
يصادف اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى من كل عام الذكرى العطرة لولادة عقيلة اهل البيت (ع) السيدة زينب عليها السلام ثاني أعظم سيّدة لسيّدات أهل البيت المحمدي التي كانت حياتها تزدحم بالفضائل والمكرمات. كانت حياتها تزدحم بالفضائل والمكرمات وتموج بموجبات العظمة والجلالة والقداسة والروحانيّة وتتراكم فيها الطاقات والكفاءات والقابليّات ومقوّمات الرقي والتفوق.
وقد تزوجت السيدة زينب عليها السلام من عبدالله بن جعفر بن ابي طالب، لقد كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فذاً من أفذاذ الإسلام وسيداً من سادات بني هاشم، وكان يسمى (بحر الجود) ويقال: (لم يكن في الإسلام أسخى منه). وعوتب على كثرة برّه وإحسانه إلى الناس، فقال: (إنّ الله عودني عادة، وعودت الناس عادة، فأخاف إن قطعتها قطعت عني).
إن من أبرز فضائل السيدة زينب عليها السلام النفسية وكمالاتها الأخلاقية زهدها في الدنيا فقد نبذت جميع زينتها ومباهجها مقتدية بأبيها الذي طلق الدنيا ثلاثاً لا رجعة له فيها، ومقتدية بأمها سيدة نساء العالمين زهراء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فقد كانت فيما رواه المؤرخون لا تملك في دارها سوى حصير من سعف النخيل، وجلد شاة، وكانت تلبس الكساء من صوف الإبل وتطحن بيدها الشعير، إلى غير ذلك من صنوف الزهد والإعراض عن الدنيا.
وقد تأثرت عقيلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الروح الكريمة فزهدت في جميع مظاهر الدنيا، وكان من زهدها أنها ما ادخرت شيئاً من يومها لغدها حسبما رواه عنها الإمام زين العابدين عليه السلام. وقد طلقت الدنيا وزهدت فيها وذلك بمصاحبتها لأخيها أبي الأحرار عليه السلام. فقد علمت أنه سيستشهد في كربلاء أخبرها بذلك أبوها، فصحبته وتركت زوجها الذي كان يرفل بيته بالنعيم، ومتع الحياة. فقد عد من أغنى أغنياء العرب لكنها رفضت ذلك كله وآثرت القيام مع أخيها لنصرة الإسلام والذبّ عن مبادئه وقيمه، وهي على علم بما تشاهده من مصرع أخيها، وما يجري عليها بالذات من الأسر والذل، لقد قدمت على ذلك خدمة لدين الله تعالى.
وكان لها(عليها السلام) في واقعة كربلاء المكان البارز في جميع المواطن، فهي التي كانت تشفي العليل وتُراقب أحوال أخيها الحسين(ع) ساعةً فساعة، وتُخاطبه وتسأله عند كلّ حادث، وهي التي كانت تُدبّر أمر العيال والأطفال، وتقوم في ذلك مقام الرجال.
والذي يُلفت النظر أنّها في ذلك الوقت كانت متزوّجة، فاختارت صحبة أخيها وإمامها على البقاء عند زوجها، وزوجها راضٍ بذلك، وقد أمر ولديه بلزوم خالهما والجهاد بين يديه، فمَن كان لها أخ مثل الحسين(ع)، وهي بهذا الكمال الفائق، فلا يستغرب منها تقديم أخيها وإمامها على بعلها.
ندبت(عليها السلام) أخاها الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء: «بِأَبِي مَنْ فُسْطَاطُهُ مُقَطَّعُ الْعُرَى، بِأَبِي مَنْ لَا غَائِبٌ فَيُرْتَجَى، وَلَا جَرِيحٌ فَيُدَاوَى، بِأَبِي مَنْ نَفْسِي لَهُ الْفِدَاءُ، بِأَبِي المَهْمُومُ حَتَّى قَضَى، بِأَبِي الْعَطْشَانُ حَتَّى مَضَى، بِأَبِي مَنْ شَيْبَتُهُ تَقْطُرُ بِالدِّمَاءِ، بِأَبِي مَنْ جَدُّهُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفَى.
لقد كانت خطبتا عقيلة بني هاشم عليها السّلام في الكوفة وفي الشام من أروع الخطب التاريخية، اللتين أبانت بهما حقيقةَ النهضة الحسينيّة، وفضحت مَكْر بني أميّة ومحاولتهم تصوير الإمام الحسين عليه السّلام بأنّه خارجيّ خرج على خليفة زمانه، فكانت كلمات العقيلة عليها السّلام استمراراً لنهضة أخيها الشهيد عليه السّلام، وكان ثباتها وصمودها وصبرها السُّورَ الحصين الذي صان مُعطيات الثورة الحسينيّة المباركة، والترجمانَ الصادق الذي نقل للأجيال تفاصيل تلك النهضة الظافرة.
فسلام الله عليكِ يا عقيلةَ الهاشميّين يوم وُلدتِ، ويوم التَحقتِ بالرفيقِ الأعلى، ويوم تُبعثينَ حيّةً فيوفّيكِ اللهُ تبارك وتعالى جزاءك بالكأسِ الأوفى مع جدّكِ المصطفى، وأبيكِ المرتضى، وأمّكِ الزهراء، وأخيك الحسن المجتبى، وأخيكِ الشهيد بكربلاء.