kayhan.ir

رمز الخبر: 231579
تأريخ النشر : 2026October14 - 21:02

كشف حساب أميركي إيراني منذ مفاوضات نيويورك

 

– منذ الاتصالات الأميركية الإيرانية على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، صار ممكناً قياس المسار بما تحقق من أهداف الطرفين. أرادت واشنطن استعادة أولوية الملف النووي، وتخفيف أثر السيطرة الإيرانية على هرمز، وإبقاء التهديد العسكري أداة لدفع طهران نحو تنازلات. وتمسكت إيران بربط أمن الملاحة بإنهاء الحرب ورفع الحصار ومعالجة مطالبها المالية والسياسية. وبعد نحو ثلاثة أسابيع، بقي تبادل الرسائل قائماً، لكن الوقائع الميدانية والاقتصادية تمنح كشف الحساب مضموناً يتجاوز تصريحات التفاؤل والتحذير.

– في البحر، كانت أولى المعادلات التي تعرّضت للاختبار عبارة «ناقلة مقابل ناقلة». قيمة هذا الشعار أن يؤدي الاستهداف الإيراني إلى رد أميركي يجعل تكراره مكلفاً. لكن تسجيل أكثر من عشر حوادث بحرية خلال أسبوع، شملت هجمات ومحاولات استهداف ومضايقات، من دون رد أميركي مماثل يثبت المعادلة، كشف حدودها العملية. الحوادث المسجلة تثبت نية وقدرة إيران على مواصلة الضغط لتأكيد الإمساك بمضيق هرمز مقابل تراجع أميركي عن معادلة الردع التي رسمتها صيغة ناقلة بناقلة.

– انتقلت طهران إلى إعلان عزمها إغلاق المسارات التي تصفها بغير القانونيّة قرب الساحل العُماني، والمستخدمة، وفق روايتها، لنقل النفط بقوارب صغيرة إلى ناقلات أكبر. وفي المقابل، أعلنت تفاهمها مع عُمان على إحداثيات ممرات آمنة. الجمع بين الخطوتين يوضح وجهة السياسة الإيرانية: تنظيم عبور تستطيع التأثير في شروطه، وإحباط محاولات الالتفاف عليه. وهو يمنحها ورقة تفاوضية إضافية، لأن استدامة المرور تبقى مرتبطة بتسوية أمنية وسياسية، مهما نجحت ترتيبات مؤقتة في إخراج شحنات نفطية.

– في اليمن، تعرّض الرهان على التحالف الأميركي الخليجي لاختبار القدرة على تحمل أعباء الحرب. فالمواقف المؤيدة لمواجهة صنعاء تحتاج إلى قوات وقرارات تدخل وتتحمل تكلفتها. والإحجام عن المشاركة العسكرية يترك السعودية والقوى اليمنية المتحالفة معها أمام عبء لا تستطيع البيانات المشتركة تخفيفه. وفي الحساب الاستراتيجي، فإن تعثر هذا الرهان يحرم واشنطن من تغيير ميداني كانت تحتاج إليه لتقليص الضغط على طرق الطاقة، ويجعل اليمن عنصراً يعزّز تعقيد المواجهة مع إيران، بدلاً من أن يوفر مخرجاً منها، لكن الأهم أنه يعزّز أزمة الثقة بين واشنطن والرياض كشريكين في تجميع أوراق التفاوض بوجه طهران.

– على طاولة الاتصالات، لم تنجح واشنطن حتى الآن في تحويل مطلبها بإعطاء الملف النووي الأولوية إلى برنامج تفاوض تقبله طهران. فقد بقي الخلاف قائماً حول نقطة البداية؛ الولايات المتحدة تريد بحث البرنامج النوويّ منذ افتتاح المسار، وإيران تريد البدء بشروط أمن هرمز وإعادة فتحه. ووصول الرد الأميركي ومراجعته وتبادل الملاحظات لا يعني أن إيران تخلّت عن ترتيبها للأولويات. إنه أخذ ورد حول المقترح نفسه، فيما لم يُعلن اتفاق يثبت انتقال التفاوض إلى الشروط الأميركية.

– يأتي كلام نائب الرئيس جيه دي فانس عن الدعوة إلى خفض ملموس لقدرة إيران على التخصيب ليضيف مؤشراً إلى هذا المشهد. فطرح الخفض يفتح نقاشاً حول مقدار القدرة ومستوى التخصيب، ويختلف عن خطاب تفكيك البرنامج بكامله. وهذا يعني الإعلان عن استعداد لقبول أميركي بحق إيران في التخصيب. والدلالة المتاحة هي أن اللغة الأميركية بدأت تعرض درجات من المطالب، بينما لم يظهر تنازل إيرانيّ معلن يقابلها، أو قبول بإعادة ترتيب ملفات التفاوض.

– انتقل التهديد بالحرب في تصريحات ترامب إلى احتمال استئناف الضربات بعد الانتخابات. هذا التأجيل يحمل أثراً سياسياً مباشراً يقول إن واشنطن تمنح نفسها وقتاً، وتمنح إيران وقتاً أيضاً. لكن طهران تستطيع خلاله تعزيز استعداداتها والاحتفاظ بأوراق الضغط، بينما تستمرّ الإدارة الأميركيّة في تحمل كلفة أزمة لم تنجح في إنهائها.

– تبرز هنا أزمة الديزل بوصفها المؤشر الاقتصادي الأكثر اتصالاً بالقرارات الأميركية. فالضغط على الريال الإيراني يثبت وجود كلفة اقتصادية تتحملها طهران، لكنه لا يثبت قدرة على التأثير في معيشة الإيرانيين مع أسعار مخفضة لمنتجات الطاقة ودرجة من الاكتفاء الذاتي الغذائي والاستهلاكي بإنتاج محلي، وإيران لا تغير موقفها السياسي. في المقابل، دفع اختناق سوق الوقود واشنطن إلى البحث عن إمدادات روسية وتخفيف قيود عليها. يصبح الفارق قابلاً للرصد: أزمة الطاقة أنتجت تعديلاً أميركياً في سياسة العقوبات، بينما لم تنتج الضغوط الاقتصادية حتى الآن تنازلاً إيرانياً معلناً في شروط التسوية.

– كشف الحساب، إذن، يسجل لإيران استمرار القدرة على تعطيل الاستقرار البحري، والاحتفاظ بأولوية شروطها، والاستفادة من تأجيل الحرب وتعثر الرهان اليمني. ويسجل لواشنطن استمرار الحصار والعقوبات وقنوات الاتصال، لكن من دون ترجمتها إلى مكسب تفاوضي معلن. ومع مرور الوقت، يبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع أميركا تحويل أدوات ضغطها إلى نتيجة، قبل أن تتحول كلفة الطاقة والانتظار إلى ضغط متزايد عليها يدفعها نحو التسوية؟

البناء

captcha