kayhan.ir

رمز الخبر: 231578
تأريخ النشر : 2026October14 - 21:02

من المهد إلى اللحد!

 

عباس المعلم

 لم يعد الغلاء في لبنان أزمةً معيشية عابرة، بل تحوّل إلى آلة طحنٍ يومية تنهش لحم المواطن وعظمه، فيما الرقابة غائبة، وحماية المستهلك شبه معطّلة، والحكومة تتفرّج على انفلات الأسعار ببرودة مَن يشاهد نشرةً اقتصادية عن بلدٍ آخر. الأسعار تركض، الرواتب تزحف، والتاجر يرفع، والمواطن يدفع، والدولة تكتفي بدور شاهد الزور على مذبحة القدرة الشرائية. هنا لم يعد السؤال: كيف يعيش اللبناني؟ بل كم يستطيع أن يصمد قبل أن تتحوّل أبسط حاجاته إلى كماليات لا تليق بطبقته الاجتماعية؟

عائلة من أربعة أفراد باتت تحتاج، بالحدّ الأدنى، إلى نحو 30 دولاراً يومياً للطعام فقط؛ أيّ قرابة 900 دولار شهرياً كي تأكل، لا كي تعيش. لا كهرباء، لا دواء، لا مدرسة، لا نقل، لا إيجار ولا طارئ؛ فقط كي تجلس إلى مائدة متواضعة ولا تنهض منها جائعة. لقد أصبح الطعام في لبنان مشروعاً استثمارياً صغيراً، والثلاجة صندوقاً مالياً، وربّ الأسرة مدير أزمة يحسب حبّات البطاطا كما تُحسب سبائك الذهب. أمّا اللحم، فتكاد زيارته للمائدة تحتاج إلى موعد مسبق وموافقة مصرفية!

لكن العبقرية اللبنانية لا تتوقف عند جعل الحياة باهظة؛ لقد نجحنا في جعل الموت نفسه امتيازاً طبقياً. قبرٌ في بيروت وضواحيها قد يصل ثمنه، وفق الأرقام المتداولة، إلى ما بين 5 و9 آلاف دولار: حفرة في التراب وبعض الرخام، بسعر يوحي بأنّ الميت يشتري عقاراً فاخراً لا متراً أخيراً تحت الأرض. ومن لم يستطع امتلاك شقة في حياته، عليه ألّا يتفاءل كثيراً بالموت؛ فالعقارات لاحقته إلى المقبرة. للأغنياء أملاك فوق الأرض وأخرى تحتها، أمّا الفقير فقد يحتاج قريباً إلى قرضٍ سكني لتمويل قبره.

هكذا تكتمل العدالة الاجتماعية على الطريقة اللبنانية: تُستنزف كي تأكل، وتُنهب كي تتعالج، وتقاتل كي تعيش، ثم تترك لأهلك فاتورةً أخيرة كي يتمكنوا من دفنك. وطنٌ لم يضمن لمواطنيه حياةً كريمة، ثم رفع عليهم حتى كلفة الرحيل منه. فلا تقلق أيها اللبناني، لقد ضمنت لك المنظومة المساواة الكاملة بين الحياة والموت: كلاهما أصبح فوق قدرتك المالية. هنا الموت حقّ للجميع… أمّا القبر فلمن استطاع إليه سبيلاً.

captcha