لماذا يلجأ نتنياهو إلى استطلاعات غبّ الطلب قبيل الانتخابات؟
حسن حردان
تشهد الساحة السياسية والإعلامية الإسرائيلية حالة من الاستقطاب الحادّ قبيل الجولات الانتخابية، حيث تطفو على السطح ظاهرة تباين نتائج استطلاعات الرأي بشكل صارخ بين وسيلة إعلام وأخرى. وبينما تُظهر الاستطلاعات الصادرة عن وسائل الإعلام الرئيسية التقليدية (مثل القنوات 12 و13 وغيرها) تراجعاً أو حالة من الانسداد السياسي لمعسكر اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، تفاجئ القناة 14 المقرّبة من الائتلاف الحاكم الإسرائيليين ببيانات تُعطي حزب الليكود تفوّقاً مريحاً وتمنح معسكره القدرة على الوصول لنسبة الحسم وحصد الأغلبية (61 مقعداً).
إنّ هذا التضارب في الأرقام لا يُعزى فقط إلى اختلافات تقنية في المنهجيات الإحصائية، بل يتجاوز ذلك ليكون جزءاً من “حرب الوعي” التي يخوضها نتنياهو وفريقه للسيطرة على قواعد اللعبة السياسية.
أولاً: أبعاد وأسباب لجوء نتنياهو للاستطلاعات “الموجهة”
1 ـ هندسة الوعي وتكتيك “الحصان الرابح”،
تعتمد الحملات الانتخابية الحديثة على العامل النفسي للمتردّدين؛ فالناخب الذي يساوره الشك يميل غريزياً للوقوف مع الطرف الذي يظهر بمظهر المتفوق. إشاعة أرقام مرتفعة لليكود تتجاوز الـ 29 مقعداً تُرسل رسالة للجمهور اليميني بأنّ “النصر قريب وممكن”، مما يقلّل من نسب الضياع الانتخابي ويحفز القاعدة الجماهيرية على المشاركة بكثافة يوم الاقتراع.
2 ـ اختراق “السردية الإعلامية” وفرض الأجندة…
نجاح أي سياسي يستند إلى قدرته على تحديد محاور النقاش العام. ومن خلال ضخ أرقام متفائلة عبر المنصات الإعلامية الحليفة (مثل القناة 14 ومعهد استطلاعات الرأي المباشر) يفرض نتنياهو جدول أعمال المحللين والخصوم؛ فيتحوّل النقاش السياسي من المحاسبة على الأزمات الأمنية والسياسية إلى التكهنات حول “شكل الحكومة المقبلة وكيفية توزيع المقاعد في معسكر اليمين”.3 ـ كبح التمرد الداخلي وترسيخ الشرعية،
يمرّ حزب الليكود والائتلاف الداخلي عادةً بتوترات وتنافس دائم بين أجنحته. نشر استطلاعات تُظهر نتنياهو كقوة جارفة لا غنى عنها يُحبط أي محاولات صامتة للتمرد داخل الحزب، ويعزز انضباط الشركاء المتطرفين من الأحزاب الدينية واليمينية الأخرى عبر إشعارهم بأنّ استمرارهم في السلطة مرهون بالبقاء تحت مظلة نتنياهو.
4 ـ تفتيت المعارضة وإرباك خصومه،
تخدم هذه الاستطلاعات هدفاً هجومياً موجهاً ضدّ معسكر المعارضة؛ إذ إنّ إظهار تفوق الليكود يستهدف إثارة حالة من الفزع والاتهامات المتبادلة بين أقطاب المعارضة (مثل لبيد، بينيت، وآيزنكوت) حول المسؤولية عن هذا التراجع، مما يحول دون تشكيل جبهة موحدة ويشغلهم بالصراعات البيْنية بدلاً من التركيز على مواجهة اليمين.
ثانياً: هل تنجح هذه الاستراتيجية في خدمة نتنياهو؟
تعتمد درجة نجاح هذا التكتيك الإعلامي على قدرته على تحقيق توازن دقيق بين الحشد والاسترخاء:
الجانب الإيجابي لنتنياهو (تعبئة القواعد): تساهم هذه الاستطلاعات في إنعاش روح المعنويات لدى الجمهور اليميني ومنع الإحباط السياسي، كما تجعل المانحين والداعمين أكثر جرأة في ضخ الموارد المالية للحملة الانتخابية.
المخاطرة العكسية (ثنائية التعبئة المضادة والاسترخاء):
اللامبالاة: قد تؤدي الأرقام المرتفعة جداً إلى نتيجة عكسية تتمثل في استرخاء جمهور اليمين وافتراضهم أنّ النصر مضمون دون الحاجة للنزول بكثافة لصناديق الاقتراع.
التعبئة العكسية للمعارضة: تضخيم قوة نتنياهو في الاستطلاعات يُستغلّ فوراً من قبل خصومه لإنذار جمهور الوسط واليسار بأنّ “نتنياهو على وشك العودة بأغلبية مطلقة”، مما يدفع معارضيه للتحشد بأعداد كبيرة لمنع هذا السيناريو.
الاستنتاجات
الاستطلاع كأداة سياسية وليس لمجرد القياس: أصبحت استطلاعات الرأي في المشهد الإسرائيلي جزءاً لا يتجزأ من أدوات الحملات الانتخابية وإدارة الرأي العام، وليست أدوات بحثية محايدة للرصد العلمي فقط.
استقطاب المشهد الإعلامي: يعكس التباين الصارخ بين نتائج القناة 14 وبقية الوسائل الإعلامية عمق الانقسام الأيديولوجي والمؤسسي في الكيان الصهيوني، حيث بات لكلّ معسكر سياسي أدواته الخاصة لصياغة “حقيقته الموازية”.
الانتخابات تُحسم على الحافة: المعركة الحقيقية لنتنياهو وللمعارضة لا تكمن فقط في حجم حزب الليكود، بل في قدرة الأحزاب الصغيرة على تجاوز نسبة الحسم (3.25%)؛ وبالتالي، فإنّ الاستطلاعات الموجهة تسعى بالأساس للضغط على حركة الأصوات وتوجيهها نحو الأحزاب المتحالفة لضمان عدم ضياع أيّ مقعد يمينياً.
الرهان على قدرة نتنياهو على المناورة: يظلّ نتنياهو صانع ألعاب بارعاً في توظيف الرسائل الإعلامية المحسوبة، لكن نجاحه الفعلي في الانتخابات المقبلة سيتوقف على مدى قدرته على إقناع الناخب المستقلّ وسط التحديات الأمنية والاقتصادية القائمة، وليس فقط على مدى نجاح الاستطلاعات الموجهة في رفع معنويات أنصاره، وارباك جبهة معارضيه…