ابريق زيت الكهرباء!
أحمد بهجة
منذ أكثر من ثلاثة عقود، أيّ منذ خروج البلد من أتون الحرب الأهلية العسكرية (لأنّ الحرب الأهلية غير العسكرية مستمرة إلى اليوم مع الأسف الشديد!) منذ ذلك الحين تتواصل معاناة اللبنانيين من أزمة الكهرباء، ولم تفلح كلّ المحاولات المتعاقبة في حلّ هذه الأزمة لأسباب وأسباب جعلتها تتفوّق على قصة “ابريق الزيت”…
وفي غياب الحلول تدبَّر اللبنانيون أمورهم، فازدهرت ظاهرة المولدات الخاصة إلى أن أصبحت قطاعاً قائماً بذاته، مع كلّ ما يحيط به من أصول وفروع متعلقة به، منها ما خلقه هذا القطاع من فرص عمل على مرّ الزمن، والأبرز من ذلك حجم ما يحتاجه من محروقات يُقدّر البعض قيمتها بنحو ملياري دولار سنوياً (هذا الرقم سيزداد حتماً مع الارتفاع الكبير لأسعار النفط عالمياً)…
بالتأكيد هناك عوامل سياسية مؤثرة جداً في استمرار الأزمة، ومنها التجاذبات المعروفة التي حالت دون بناء وتشغيل معامل إنتاج جديدة، وأيضاً لمن يحبّ الحديث دائماً عن الدعم، فإنّ دعم الكهرباء بدأ عام 1994 بجعل سعر الكيلوواط ثابتاً على 9 سنتات، الأمر الذي أوْقع مؤسسة كهرباء لبنان في عجز دائم كانت تغطيه الحكومات عبر سلف يتمّ صرفها من الخزينة العامة!
ورغم ما حلّ من كوارث بالخزبنة العامة قبل وبعد الانهيار الكبير في تشرين الأول 2019، استمرّ هذا الدعم إلى أن تسلّم الوزير الدكتور وليد فياض مقاليد الوزارة عام 2021، ووجد أمامه معادلة تقول إنّ التناحر السياسي عطّل تنفيذ كلّ الخطط ولم يسمح بإنجاز أيّ حلّ للأزمة.
طبعاً لم يستسلم الوزير فياض لهذه المعادلة، بل واجهها وتمكّن من كسرها، لا سيما انتزاع قرار وقف الدعم ورفع سعر الكيلوواط من 9 إلى 27 سنتاً، الأمر الذي جعل مؤسّسة الكهرباء تقف على قدميها، وتؤمّن ما تحتاجه من فيول، وتزيد ساعات التغذية بالتيار الكهربائي من أربع ساعات كان يوفرها الفيول العراقي إلى أكثر من عشر ساعات، وكان يمكن أن تكون 14 ساعة لو أنّ الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة التزم بخطة الوزير بشكل كامل!
عند تعيين الوزير الحالي جو صدّي في شباط 2025 كان في حساب مؤسسة كهرباء لبنان لدى مصرف لبنان أكثر من 700 مليون دولار، وكانت كميات الفيول والمازوت في خزانات معامل الإنتاج كافية لكي تستمرّ ساعات التغذية على حالها، أيّ أكثر من عشر ساعات يومياً والعمل على زيادتها إلى نحو 14 ساعة، وهي معدل القدرة الإنتاجية للمعامل الموجودة حالياً قبل بناء معامل جديدة.
لكن الذي حصل هو العكس تماماً، حيث تقلّصت ساعات التغذية لتصل إلى ساعتين أو أقلّ، الأمر الذي جعل فواتير المولدات تصل إلى أرقام فلكية، خاصة مع ارتفاع أسعار المازوت، فـ علت صرخات المواطنين الذين لا يجدون أمامهم إلا الغلاء والأزمات التي تنزل عليهم كالصواعق، خاصة في هذه الفترة التي تتراكم فيها المتطلّبات العائلية من المحروقات للتدفئة في الشتاء الذي بدأ باكراً، إلى مستلزمات العام الدراسي لأولادهم، وقبل هذا وذاك تأمين الغذاء والدواء والسكن، ولا ننسى طبعاً معاناة أهلنا النازحين من الجنوب الذين يحتاجون إلى كلّ ما سبق ذكره…
إزاء كلّ ذلك لم يجد الوزير صدّي مخرجاً إلا الاعتكاف والهروب بدلاً من تحمّل المسؤولية الملقاة عليه، والعمل ليل نهار للقيام بواجبه، خاصة أنّ الحلول موجودة كما قلنا، وما عليه إلا وقف هذه “الحركات” والتخلص من عقلية النكد السياسي التي اعتاد حزبه أن يمارسها ضدّ الوزراء السابقين…!