لماذا تتردد أميركا في حرب أنصار الله؟
– يتعامل محللون أميركيون وعرب مؤيدون لواشنطن مع الحرب في اليمن باعتبارها معركة للسيطرة الاستراتيجية على البحر الأحمر وباب المندب، ضمن الصراع الأوسع على الممرات المائية بين أميركا وإيران. لكن هذا التفسير يترك سؤالاً بلا جواب: إذا كانت السيطرة على المضيق تستحق الحرب، فلماذا تختار واشنطن أولوية وقف النار مع أنصار الله، وضمان عبور سفنها، بدلاً من استئناف محاولة إخضاعهم؟ الأهمية الاستراتيجية تفسّر الاهتمام الأميركي، لكنها لا تكفي لتفسير القرار. ما ينقص هذه القراءة هو حساب فرص النجاح، وثمن الفشل، وتأثير الحرب في الجاهزية الأميركية لمواجهات أكبر.
– التفاهم الذي أعلنته عُمان في السادس من أيار 2025 قام على توقف الطرفين عن استهداف بعضهما، بما يشمل السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب. لم تحصل واشنطن بموجبه على وقف جبهة إسناد غزة التي كانت سبب الحرب الأميركية على اليمن، ولم تحصل طبعاً على تفكيك القوة العسكرية لأنصار الله أو إنهاء قدرتهم على التأثير في الملاحة. لكنها حصلت فقط على حماية مرورها عبر وقف المواجهة معهم. وهذا اختيار استراتيجي بحد ذاته: الاعتراف بأن تأمين مصلحة محدّدة بالتفاهم يمكن أن يكون أقل كلفة وأكثر ضماناً من الحرب لتحقيق سيطرة شاملة لا تتوافر شروطها.
– وتقترب أوروبا من المنطق نفسه، وإن اختلفت أدواتها. فمهمة «أسبيدس» تقوم على حماية السفن ومرافقتها، ضمن تفويض دفاعي، لا على الإسهام في الردّ على الضربات الموجهة للمنشآت السعودية، ولا تهدف حكماً إلى تغيير السلطة في صنعاء. لذلك لا تعني زيادة القطع الأوروبية استعداداً لحرب مفتوحة على اليمن. إن الحاجة إلى باب المندب تدفع إلى حماية العبور، لكنها لا تمنح القوات البحريّة قدرة تلقائية على فرض تسوية سياسية على اليابسة. هنا يظهر الفارق بين امتلاك أسطول يستطيع اعتراض الهجمات، وامتلاك استراتيجيّة تنهي مصدرها وتضمن عدم عودتها.
– وتزداد المفارقة وضوحاً عند وصل باب المندب بهرمز؛ طالما أن اضطراب صادرات الخليج (الفارسي)يجعل خط الشرق والغرب السعودي وميناء ينبع بديلين مهمين لتخفيف نقص الإمدادات. لكن البديل يبقى معرضاً للضغط مع توسّع التهديد نحو المنشآت وخطوط النقل والناقلات. لذلك فإن قدرة أنصار الله على تهديد منظومة التصدير السعودية، وليس المضيق وحده، تضاعف أثر أزمة هرمز، وتجعل أمن السفن الأميركية وحده جواباً ناقصاً عن أزمة الطاقة العالمية.
– يكمن جوهر التردد الأميركي ومثله الأوروبي، في الشك بإمكان تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية. فقد دعمت واشنطن الحرب التي قادتها السعودية، من دون أن تحقق تلك الحرب إخضاع أنصار الله. ثم اختبرت المواجهة المباشرة، وصولاً إلى حملة 2025، ما يكفي لإظهار حدود القصف في مواجهة قوة موزعة، تستطيع إخفاء منصاتها وتجديد هجماتها. وأي رهان جديد على قلب الميزان الداخلي اليمني يصطدم بالسؤال نفسه: من هي القوة البرية المقاتلة التي تحوّل الغارات إلى سيطرة مستقرة، ومن يمنع عودة التهديد بعد توقفها؟ هذه فجوة لا تملؤها الحاملة مهما بلغت قوتها.
– تقدم الدراسات العسكرية الأميركية مادة مهمة لفهم هذه الحسابات. ففي دراسة بعنوان «الإمداد والمعنويات والاكتفاء الذاتي: دروس من البحر الأحمر»، المنشورة في المعهد البحري الأميركي في أيلول 2025، يشرح الطيار البحري ستيفن هولكومب أن مجموعة الحاملة تعتمد على إسناد خارجي للاستطلاع والتزود بالوقود، وأن القتال المستمر يضغط على الأطقم والصيانة. كما يحذّر من استهلاك الصواريخ بمعدلات تتجاوز قدرة الإنتاج. وتوصيته، ريثما تتوافر دفاعات أكثر استدامة، النظر في تموضع القطع خارج المدى الفعّال للمسيّرات المعادية. ويربط هذا الدرس بالجاهزية لمواجهة متقدمة في المحيط الهادئ.
– أما دراسة «دروس من عدو غير متوقع»، للكابتن تايلر غان في دورية جمعية مشاة البحرية، فتوضح أن الخصم لا يحتاج إلى إغراق حاملة لكي يفرض أثراً استراتيجياً. يكفيه إجبار الأسطول على دفاع مستمر ومكلف، باستخدام الصواريخ البالستية والمجنحة والمسيّرات والزوارق غير المأهولة. وتحمي المنصات نفسها بالتنقل والتوزع وتقليل الانبعاثات. وتذهب الدراسة إلى تصور استفادة المارينز من هذه الأساليب ضد سفينة صينية، في سيناريو افتراضي. وهكذا يتحول ما اكتشفته البحرية في اليمن إلى درس يمكن توظيفه في مواجهة الصين، أو التحسب لاستخدام الصين أدوات أشد تطوراً منه.
– وفي دراسة مركز الحرب غير التقليدية، المنشورة في تموز 2026، يشرح محمد الدوه أن غاية أنصار الله هي تغيير سلوك الخصوم أكثر من هزيمتهم عسكرياً. فحتى الهجوم الذي يُعترض قد يؤثر في قرارات الشحن وكلفة التأمين وتوزيع القوات. ويحذّر من امتداد الالتزامات البحرية الأميركية بين هرمز والبحر الأحمر والمتوسط والمحيط الهادئ. وفق هذه القراءة، تعالج الاعتراضات أعراض المشكلة، بينما يبقى مصدرها السياسي والعسكري قائماً.
– وتضيف دراسة مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت أن ضيق البحر الأحمر يتيح لأسلحة محدودة المدى تهديد الملاحة، ويزيد ضيق الممر والمياه الساحلية الضحلة تعقيد المناورة والحماية، وما تثبته الدراسات هو أن الدفاع يستنزف الذخائر والجاهزية، من دون إنهاء قدرة الخصم على الهجوم. ومن هنا يصبح إبقاء الحاملات على مسافة أكثر أماناً موضوعاً عملياتياً، لا ضمانة لحسم الحرب.
– لهذا يمكن فهم تمسك واشنطن بالتفاهم باعتباره حساباً لحدود القوة، واعتبار دخول الحرب مخاطرة بإلغاء الاستثناء الذي يحمي سفنها، وتوسيع اضطراب الملاحة، ورفع أسعار النفط، واستنزاف قدرات تحتاجها في مواجهة الصين. لا تتراجع أهمية باب المندب؛ الذي يتراجع هو اليقين بإمكان السيطرة عليه عبر إخضاع أنصار الله. وعندما لا تكون الحرب طريقاً مضموناً إلى الهدف، يصبح وقف النار وسيلة لحماية المصلحة، وتفادي الأسوأ، وتظهر المفاوضات بوصفها اعترافاً بميزان القوة الذي عجزت الحملات العسكرية عن تغييره.
البناء