جبل العرب: الهوية ليست ربطة عنق!
أديب ملاعب
أولاً، كلّ التقدير والاحترام إلى الرجال الأشاوس الذين وقفوا شامخين كجبل الطود دفاعاً عن أرضهم وعرضهم في وجه جحافل التكفيريين والألغائيين القادمين من مجاهل السياسة والتاريخ.
ثانياً، لقد عُرفت المنطقة التي استوطنها المسلمون الموحدون جنوب سورية لدى نزوح القبائل اليمنية من جبل لبنان بعد معركة عين دارة، بأسماء عديدة، منها جبل حوران وجبل الريّان وجبل الدروز إلى أن تمّ إطلاق تسمية جبل العرب ربطاً بتاريخ عشيرة بني معروف الوطني والقومي كحماة للثغور العربية والإسلامية في وجه حملات الفرنجة على سواحل بلاد الشام، وتتويجاً لنضالات أهالي السويداء حيث كان لهم تحت قيادة المجاهد سلطان باشا الأطرش الدور الأبرز والحاسم إلى جانب كافة أبناء الشعب السوري في تحقيق جلاء المستعمر الفرنسي ورفض تقسيم سورية إلى كانتونات مذهبية.
بعد كلّ هذا السجلّ الممهور بدماء الشهداء في معارك الدفاع عن الوطن والأرض والكرامة، ورفض حكومة الانفصال عن الدولة السورية والنفي الطوعي لرجال الثورة إلى وادي السرحان بين إمارة شرقي الأردن ومملكة الحجاز، بعد كلّ هذا التاريخ يأتي أحدهم ملتحفاً بالعباءة الدينية وتحت مبرّر ردّ الفعل يقوم بأفعال أسوأ من الفعل نفسه.
نحن نفهم ظروف اللحظة (تموز 2025) وضغوطاتها ومدى الميول الإجرامية والانتقامية لهؤلاء التكفيريين المتزمّتين، وربما نتقبّل ردّ الفعل الآني حيث تكون النفوس مشحونة والعقل مصدوماً بهول الجريمة، إلا أنّ للجماعة مساراً تاريخياً تحدّده المصلحة العامة على أساس الثوابت الوطنية والقومية، وعلى هديِها يتمّ التعاطي مع الأزمة بما يعالجها وليس بما يزيدها تعقيداً، إذ ليس من الحكمة أبداً أن نؤسّس لمستقبل الأجيال انتقاماً لجريمةٍ وعملٍ جبان.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلّ الحركات التكفيرية التي نشأت في بلاد العرب والمسلمين بعد أفول الخلافة العثمانية كانت بدعم وإشراف ورعاية أوروبية وحديثاً اميركية لاستخدامها في تنفيذ خطط الغرب لتفتيت المنطقة ومحاربة التوجهات الوحدوية في منطقة غرب آسيا ومواجهة الاتحاد السوفياتي، وبالتالي فإنّ مسؤولية ما حصل تتوزّع ما بين المؤسس والراعي والمستخدم لهذه الجماعات، بالإضافة إلى اليد المنفذة بالطبع، علماً أنه كان بإمكان العدو الصهيوني لو أراد، قصف التحشيدات قبل ساعات من وصولها إلى أطراف قرى الجبل ولكنه آثر حصول الجريمة لتبرير تدخّله في الحدث بحجة الدفاع عن الأقليات.
كما يجب أن لا نغفل البعد الإقليمي لما حصل في السويداء باعتباره أحد تجليات التنافس بين تركيا الراعي الإقليمي للحكم في سورية وبين العدو الصهيوني عبر إحداث وقائع على الأرض وتحديد مناطق نفوذ ومدَيات أمنية في مجمل المناطق الجنوبية في سورية كما في شمالها.
لقد أدهشتني تصريحات الهجري الذي يبدو أنه لم يتعظ من تجربة أنطوان لحد في جنوب لبنان ومظلوم عبدي في الشمال السوري وياسر أبو شباب في قطاع غزة، الأمر الذي يحتّم على القوى الوطنية والعائلات في جبل العرب أن يقفوا بالمرصاد رفضاً لهذا التوجه وتحديد الأخطار من لعب دور الشرطي وطوق الحماية للكيان الصهيوني، كما أنّ الطريقة الانتقائية التي يبني عليها الهجري رؤيته للتقارب مع العدو منقوصة لا تستحوذ على رضى المرجعيات الدينية لمذهب المسلمين الموحدين، ولا تلقى أجماعاً وقبولاً لدى الرأي العام وأغلب عائلات السويداء بدليل البيانات الصادرة عن القوى والشخصيات الوطنية وعائلات السويداء التي تعاني من سطوة ميليشيات الهجري وقادته الذين يوجد على العديد منهم ألف علامة استفهام قبل تموز 2025 وبعده.
وإذا كانت السلطة في دمشق غير مؤهّلة للحوار ولا تمتلك ثقافة التنوّع والاختلاف يصبح من الضروري جداً التواصل مع المراجع الدولية والإقليمية للتأثير والضغط على الحكومة السورية لإجراء حوار بنّاء يأخذ في اعتباره تنوّع النسيج السوري ويقوم بالإصلاحات اللازمة وتشريع القوانين لدمج كلّ فئات الشعب السوري في بوتقة وطنية واحدة.
ثالثاً انّ استحضار اسم “جبل الباشان” من أساطير التوراة يحمل في طيّاته تودّداً للكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين، وقطعاً مع التاريخ الوطني والقومي للعشيرة المعروفية التي استحقّت عن جدارة لقب سيف الإسلام، كما أنّ اعتماد هذا الاسم على قرى وبلدات جبل العرب هو بمثابة دعوة مبطنة لقادة الكيان الصهيوني لضمّه إلى مشروع الكيان التوسّعي وإنشاء المستوطنات على أرضه وتهويده، وقد نشأت أخيراً حركة صهيونية تحت مسمّى “روّاد جبل الباشان” تدعو وتعمل لإقامة المستوطنات اليهودية فيه!
أخيرا أربأ بالمثقفين وأصحاب الرأي في جبل العرب إسقاط هذا الاسم من التداول، فالهوية ليست ربطة عنق نستبدلها ساعة نشاء، كما من الضروري جداً التنبّه لما يُحاك لمنطقتنا في الغرف السوداء، مستنكفين أن نجعل من أهلنا وقوداً في أتون الأعداء وعلى القوى الحيّة والفاعلة على الأرض تحديد خياراتها بين مسارين:
الأول يبدأ من السويداء وينتهي في تل أبيب،
والثاني هو مسار يبدأ من السويداء باتجاه المحافظات السورية لفتح حوار يرتكز على وحدة التراب السوري ودعوة أبناء الوطن للتلاقي واستنباط الحلول…