لا طريق آخر أمامنا إلا المقاومة
مهران حيدري
حلّت الذكرى السنوية الثالثة لعملية «طوفان الأقصى»، وهي العملية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية بهدف توجيه ضربة إلى العدو الصهيوني، واتخاذ خطوة جدية على طريق تحرير الأراضي المحتلة، ورفض مسار تطبيع العلاقات الذي أدّى إلى عزل القضية الفلسطينية وإهمالها. في المقابل، ارتكب الكيان الصهيوني خلال هذه الفترة الكثير من الجرائم والمجازر في قطاع غزة.
في الأسبوع الماضي، أُقيمت الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد «سيد المقاومة» و«شهيد الأمة» سماحة السيد حسن نصرالله. لقد رحلت عنّا شخصية يدين لها اللبنانيون والفلسطينيون والمجتمعات العربية والإسلامية بالكثير.
والشهادة مقام رفيع يختصّ الله به عباده المخلصين، وقد اختار الله سماحة السيد حسن لهذه المنزلة الرفيعة. غير أنّ الطريق الذي سار فيه لن يتوقف، كما أنّ صفحة الثأر لدمائه لم تطوَ… فالثأر لدماء الشهداء من أئمة الكفر فريضة إلهية، والمقاومة هي السبيل الوحيد للمضيّ قدُماً في هذا الطريق؛ طريقٌ لا يعرف التراجع، ولا يمكن إيقافه.
محور الوحدة والمقاومة في دعم فلسطين
أولاً، تؤكد جميع الفصائل والقوى ومختلف الشرائح الاجتماعية الفلسطينية على ضرورة الوحدة، باعتبارها عاملاً أساسياً في تحقيق التماسك وتضافر القدرات والإمكانات، من أجل الوصول إلى الهدف الأكبر المتمثل في تحرير الأراضي المحتلة. فمن دون الوحدة، لا يمكن لمجتمع مشرذم أن يملك صوتاً موحداً وفاعلاً ومؤثراً. وعليه، فإنّ الوحدة تمثل شرطاً ضرورياً وأساسياً لبلوغ الهدف المنشود.
ثانياً، الوحدة، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فهي تحتاج إلى محرّك وقوة فاعلة تترك أثرها في مجرى التحوّلات السياسية والاجتماعية وفي الميدان، ومن دون هذه القوة يصبح بلوغ الهدف أمراً غير قابل للتحقيق. وهذه القوة المحرّكة هي المقاومة، ولذلك ينبغي أن تتمحور الوحدة حولها.
في تسعينيات القرن الماضي، اختار جزء من المناضلين الفلسطينيين نهج التفاوض مع الاحتلال، وهو ما أدى إلى حدوث انقسام في مسار النضال الفلسطيني. وقد مضى أكثر من ثلاثة عقود على هذا الخيار، فما الذي حققه أصحاب هذا النهج خلال هذه الفترة؟ وهل وصلوا إلى الآمال والوعود التي عُرضت عليهم؟ نحن نعيش في عالم تشكّل فيه القوة مقياساً ومعياراً للقرارات في السياسة الدولية. وفي هذا العالم المتوحش، علينا أن نمتلك القوة من أجل الحفاظ على استقلالنا والدفاع عن مصالح مجتمعنا.
في غزة، وبالقنابل التي تقدّمها الولايات المتحدة لـ “إسرائيل”، استُشهد أكثر من 73 ألف شخص، وأصيب وجُرح أكثر من 174 ألفاً. ولا تزال الهجمات على أنقاض غزة متواصلة ليلاً نهاراً. وفي الضفة الغربية، يمارس المستوطنون الصهاينة شتى أشكال الأذى والاعتداء بحق الفلسطينيين، في ممارسات غير مسبوقة في التاريخ، بهدف تهجيرهم واقتلاعهم من أرضهم. كما يواصل الجنود “الإسرائيليون” اعتقال الشبان الفلسطينيين وقتلهم.
وفي المقابل، يتحدث المسؤولون الإسرائيليون، بكلّ وقاحة، عن احتلال الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين قسراً. هذا هو العالم الحقيقي الذي نعيش فيه؛ عالم لا تقف فيه أيّ دولة في وجه جرائم “إسرائيل” وتوسّعها.
يرى بعض المحللين، في معرض معارضتهم لنهج المقاومة، أنّ واقع المقاومة الراهن يبرهن على كلفتها الباهظة، ويعتبرون أنّ هذا النهج أفضى إلى خسائر كبيرة.
وفي هذا السياق، أودّ الإشارة إلى جملة من النقاط. فقد شهد التاريخ، على امتداده، الكثير من الأحداث المريرة والمشرقة. وكذلك شهدت مسيرة الشعوب الساعية إلى الاستقلال، في طريق مقاومتها، محطات صعبة وأخرى مشرقة. وفي بعض الأحيان، قد تقدم فصائل من قوى المقاومة، استناداً إلى حساباتها وتقديراتها، على خطوات تفضي إلى أحداث غير محبّذة. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون ذريعة لإدانة مبدأ المقاومة في مواجهة عدو يريد أن ينتزع منكم كلّ شيء؛ إذ إنّ الخسارة المترتبة على الاستسلام له ستكون أكبر بكثير من الخسائر التي قد تقع في مسيرة المقاومة. علينا أن نبقى متمسكين بالأمل بمستقبل المقاومة، فلا طريق آخر أمامنا.
تسعى الولايات المتحدة والصهاينة إلى إضعاف محور المقاومة، لأنهم يعتبرون المقاومة العامل الوحيد الذي يحول دون توسّعهم وهيمنتهم على المنطقة. ويستخدمون كلّ السبل والأدوات المتاحة لهم لتحقيق هذا الهدف. ومن خلال إمبراطوريتهم الإعلامية، يروّجون لرواية هزيمة محور المقاومة، ويهدفون من وراء هذه الدعاية إلى تحقيق هدفين أساسيين:
أولاً، التأثير في دول العالم، ولا سيما دول المنطقة، واستمالتها إلى جانبهم، بما يتيح لهم مواصلة سياساتهم المدمّرة. ثانياً، أنّ إضعاف هذه الدول من خلال دخولها إلى ساحة مواجهة المقاومة. ينبغي أن نكون يقظين إزاء حيل العدو وألا نقع في فخاخها.
إنّ إشعال الفتن المذهبية والطائفية هو أحد الأساليب الأساسية والمستمرة التي ينتهجها أعداء المنطقة. فهم يضعون الخلافات السياسية والمذهبية والحدودية والتاريخية بين المجتمعات الإسلامية الكبرى في صدارة القضايا التي تشغل دول المنطقة، ويستخدمون لتحقيق ذلك مختلف الأدوات السياسية والدعائية والإعلامية.
كما يخدعون قادة الدول وشخصياتها السياسية بوعود زائفة، ويدفعونهم إلى الوقوع في قرارات خاطئة وسوء تقدير في الحسابات، بحيث لا تكون حصيلة هذه السياسات والإجراءات سوى إلحاق الخسائر بهذه الدول.
كما تعلمون، فإنّ نتنياهو الخبيث، قاتل الشعبين الفلسطيني واللبناني، وهذا المجرم الكبير، قد ذهب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عقد اجتماعاً مع قادة وممثلي عدد من الدول العربية. فما الذي جرى هناك؟ وهل يُعقل أن ننتظر من الشيطان النصح والإرشاد وتقديم المساعدة العادلة؟ أليس كلّ ما يسعى إليه هو خداع الآخرين من خلال تصريحات كاذبة وتقديم وثائق مزيفة؟ ولا شكّ في أنه يسعى إلى إضعاف حلقات محور المقاومة بالتعاون مع دول المنطقة. وهو يريد أيضاً أن تتكبّد دول أخرى خسائر من خلال انخراطها إلى جانب “إسرائيل” في مواجهة المقاومة. وهذا هو الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، لأنّ إضعاف هذه الدول سيجعل فرض الهيمنة عليها أمراً أكثر سهولة.
لذلك، من الأجدر بهم أن يتخذوا القرار الصائب، وأن يقفوا في الجانب الصحيح، عبر دعم المقاومة وفلسطين، لأنّ العزّة والفخر التاريخي إنما يكمنان في الوقوف إلى جانب المقاومة.