اقتصاد «إسرائيل» تحت الاستنزاف
محمد حسن علي زعيتر
لم تعد كلفة الحرب في “إسرائيل” مسألة مالية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء المعارك، بل تحوّلت إلى عامل سياسي يدخل مباشرة في حسابات الناخب “الإسرائيلي”. فبحسب “بنك إسرائيل”، بلغت الكلفة المالية للحرب التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 نحو 350 مليار شيكل حتى 2026، فيما ارتفع الدين العام إلى 68.5% من الناتج المحلي، وسُجّل فقدان تراكمي في الناتج يعادل نحو 8.6% من الناتج السنوي، أيّ قرابة 177 مليار شيكل.
وفي عام 2026، تتوقع المؤسسات الدولية نموًا أبطأ مما كان متوقعًا قبل التصعيد؛ فقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته إلى 3.5%، محذراً من أنّ استمرار الحرب سيُبقي الإنفاق الدفاعي مرتفعاً ويضغط على سوق العمل والنمو.
لكن الأهمّ أنّ هذه الأرقام بدأت تتحوّل إلى قضية انتخابية. ففي استطلاع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي في أيلول/ سبتمبر، قال 38% من الإسرائيليين اليهود إنّ موقف الحزب من الاقتصاد وغلاء المعيشة سيكون من أهمّ العوامل المؤثرة في تصويتهم، مقابل 39% للأمن والسياسة الخارجية.
وهنا تبرز المفارقة أمام بنيامين نتنياهو: فالحكومة تستطيع تقديم الحرب باعتبارها معركة أمنية، لكنها تجد صعوبة أكبر في فصل نتائجها عن ارتفاع كلفة المعيشة، وتراكم الدين، وزيادة الإنفاق العسكري. ومع اقتراب انتخابات 27 تشرين الأول/ أكتوبر، تشير استطلاعات حديثة إلى أنّ معسكر نتنياهو والمعارضة لا يزالان دون عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة، ما يجعل كلّ قضية اقتصادية واجتماعية أكثر أهمية في تحديد شكل الائتلاف المقبل.
لذلك، فإنّ الاقتصاد قد يتحوّل إلى جبهة سياسية موازية للجبهة العسكرية. فكلّ شيكل إضافي يُنفق على الحرب يعني سؤالاً عن الخدمات والضرائب والدين ومستقبل النمو، وكلّ ارتفاع في الأسعار يمكن أن يتحوّل إلى سؤال انتخابي: هل نجحت الحكومة في حماية أمن الإسرائيليين، ولكن بأيّ كلفة اقتصادية؟
وفي الانتخابات المقبلة، لن يكون الاختبار لنتنياهو مرتبطاً فقط بما إذا كان “الإسرائيلي” يشعر بالأمان، بل أيضاً بما إذا كان يشعر أنّ مستوى معيشته ومستقبل اقتصاده يسيران في الاتجاه الصحيح. وهنا قد تتحوّل فاتورة الحرب من عبء على الخزينة إلى فاتورة سياسية تُدفع في صناديق الاقتراع…