لماذا لم تتمكن "إسرائيل" من حسم الحرب مع حزب الله؟
جهاد حيدر
تكشف نتائج المواجهة بين "إسرائيل" وحزب الله عن مفارقة استراتيجية تستحق التوقف عندها. فعلى الرغم من التفوق العسكري والاستخباري والتكنولوجي "الإسرائيلي" والأميركي، وحجم التضحيات التي قدمها حزب الله على المستويات القيادية والعسكرية والتنظيمية، لم تتمكن "إسرائيل" من تحويل هذه الإنجازات إلى حسم نهائي يفضي إلى إنهاء الحزب بوصفه قوة عسكرية، أو إخضاعه سياسيًا وأمنيًا للشروط التي سعت إلى فرضها عليه. وهي مفارقة تزداد أهمية بالنظر إلى أن "إسرائيل" تعاملت مع الحرب، في مراحل مختلفة، باعتبارها فرصة تاريخية لإحداث تحول جذري في موازين القوى في لبنان، يتجاوز إضعاف حزب الله إلى إنهاء التهديد الذي يمثله بصورة مستدامة.
ولا تقتصر دلالة هذه النتيجة على استمرار حزب الله في امتلاك قدرات عسكرية، وإن كانت أدنى مما كانت عليه قبل طوفان الأقصى، بل تشمل أيضًا احتفاظه بالإرادة السياسية والقتالية لمواصلة المواجهة، ورفضه الاستجابة للمطالب المتعلقة بنزع سلاحه، رغم الضغوط العسكرية والسياسية والمالية التي تعرض لها. وهو ما يطرح سؤالًا مركزيًا: لماذا لم تنجح "إسرائيل"، رغم ما تمتلكه من عناصر تفوق وما حققته من إنجازات ميدانية، في فرض الحسم العسكري والسياسي على حزب الله؟
تنطوي الإجابة على تفاعل بين عوامل ذاتية تتصل بخصائص الحزب وبنيته وإرادته واستراتيجيته، وعوامل موضوعية تتصل بطبيعة المواجهة وحدود القوة "الإسرائيلية" والبيئة اللبنانية والتوازنات الإقليمية والدولية.
العوامل الذاتية
يبرز في مقدمة العوامل الذاتية استمرار الإرادة السياسية والقتالية لدى حزب الله، وهي مسألة تتجاوز أهميتها حجم الترسانة العسكرية أو عدد المقاتلين. فالحروب، وخصوصًا الحروب غير المتكافئة، لا تُحسم بمجرد إلحاق خسائر كبيرة بالطرف الأضعف، ما لم تؤدِّ هذه الخسائر إلى كسر إرادته في القتال أو إقناعه بأن كلفة الاستمرار باتت أعلى من كلفة القبول بشروط خصمه.
وفي حالة حزب الله، لم يؤدِّ التفوق المادي "الإسرائيلي" إلى انهيار في الإرادة السياسية. فـ"إسرائيل" كانت تحتاج، لتحقيق أهدافها القصوى، إلى أكثر من تدمير القدرات؛ كانت تحتاج إلى تغيير القرار الاستراتيجي للحزب نفسه.
اقترن ذلك بقدرة حزب الله على المحافظة على حد من التماسك التنظيمي والقدرة على التكيف مع الضربات. ذلك أن استهداف القيادات والبنى العسكرية يحقق أثره الاستراتيجي الأقصى عندما يؤدي إلى تفكك منظومة القيادة والسيطرة، وتعطيل القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات، وفقدان الوحدات العسكرية ترابطها ووظيفتها. لكن حزب الله تمكن من إعادة توزيع المهام، وتعويض بعض الخسائر القيادية، وتعديل أساليب عمله وفق الظروف المستجدة، فإن نتائج الضربات تبقى ضمن نطاق الإضعاف والاستنزاف، من دون أن تبلغ بالضرورة مستوى الانهيار. ومن هذه الزاوية، تكتسب قدرة حزب الله على مواصلة القتال أهمية تتجاوز نتائج العمليات العسكرية نفسها، لأنها تشير إلى استمرار الوظيفة القتالية للتنظيم رغم الأضرار التي أصابت بنيته.
ويتصل بذلك احتفاظ الحزب بقدرات عسكرية متبقية، تسمح له بالاستمرار في مواجهة غير متكافئة، تسمح له بمنع العدو من فرض الاستسلام.
وتزداد أهمية هذا العامل عندما يقترن بإمكان إعادة بناء القدرات العسكرية والتنظيمية. فالإنجاز "الإسرائيلي" في تدمير جزء من البنية القتالية لحزب الله لم يتحول إلى مكسب استراتيجي دائم. وبذلك تصبح المسألة مرتبطة ليس فقط بحجم ما دُمّر خلال الحرب، وإنما أيضًا بمدى قدرة "إسرائيل" على منع إعادة التشكيل بعد انتهاء العمليات أو تراجع حدتها.
وإلى جانب هذه العوامل العسكرية والتنظيمية، يبرز البعد السياسي والاجتماعي بوصفه أحد عناصر الاستمرارية. فحزب الله ليس مجرد تشكيل عسكري منفصل عن محيطه، وإنما هو أيضًا قوة سياسية واجتماعية لها مؤسساتها وامتداداتها وقاعدتها الشعبية. ورغم ما تعرضت له هذه البيئة من خسائر بشرية ودمار وتهجير وضغوط اقتصادية، فإن استمرار ارتباطها بالحزب وفّر له أحد مصادر القدرة على الصمود وإعادة التكيف.
وتتجلى محصلة هذه العوامل في قدرة حزب الله على الفصل بين التضحيات الكبيرة التي قدَّمها وبين قراره السياسي بشأن سلاحه ومستقبله. فـ"إسرائيل" سعت إلى توظيف نتائج الحرب والضغوط اللاحقة لتغيير موقع الحزب داخل لبنان، لكن استمرار رفضه نزع سلاحه يشير إلى أن الضغط العسكري لم يتحول إلى إخضاع سياسي. وهذه نتيجة لا تعني أن الحزب خرج من الحرب من دون خسائر استراتيجية، وإنما أن هذه الخسائر لم تكن كافية لفرض النتيجة السياسية التي استهدفتها "إسرائيل".
العوامل الموضوعية
إذا كانت العوامل الذاتية تفسر جانبًا من قدرة حزب الله على الاستمرار، فإن العوامل الموضوعية تفسر لماذا لم تستطع "إسرائيل" تحويل تفوقها العسكري إلى حسم نهائي.
ويأتي في مقدمة هذه العوامل التناقض بين طبيعة القوة "الإسرائيلية" وطبيعة الهدف المطلوب تحقيقه. فالجيش "الإسرائيلي" يمتلك قدرات متقدمة في الاستخبارات والاستهداف والعمليات الجوية والبرية، وهي قدرات تتيح له إلحاق خسائر كبيرة بالبنى العسكرية والقيادية. لكن القضاء النهائي على تنظيم مسلح متجذر في بيئة جغرافية واجتماعية وسياسية يتطلب شروطًا مختلفة عن تلك اللازمة لتدمير أهداف عسكرية محددة.
فالتفوق في القدرة على الاستهداف لا يعني بالضرورة التفوق في القدرة على السيطرة المستدامة، كما أن النجاح في تفكيك أجزاء من المنظومة العسكرية لا يضمن القضاء على قدرتها على إعادة التشكل.
وتتصل هذه المعضلة بطبيعة الحرب غير المتكافئة، التي تختلف فيها شروط النجاح بين الطرفين. فبينما يحتاج الطرف الأقوى، عندما يرفع سقف أهدافه إلى القضاء على خصمه أو نزع سلاحه، إلى تحقيق نتائج واسعة ومستدامة، يستطيع الطرف الأضعف أن يحول دون هذا الحسم بمجرد الاحتفاظ بحد كافٍ من القدرة على المواجهة ورفض الاستسلام.
وبذلك تنشأ فجوة بين حجم القوة المستخدمة والنتيجة الممكن تحقيقها. فكلما ارتفع سقف الأهداف "الإسرائيلية" من إضعاف الحزب إلى إنهاء تهديده بصورة نهائية، اتسعت الفجوة بين ما تستطيع العمليات العسكرية إنجازه وما يتطلبه الحسم الاستراتيجي.
وتضيف الجغرافيا اللبنانية بُعدًا آخر إلى هذه المعضلة. فالتضاريس الجبلية والوديان والقرى والبيئة العمرانية المتداخلة في جنوب لبنان تجعل العمليات البرية والسيطرة المستمرة أكثر تعقيدًا وكلفة. وحتى عندما ينجح الجيش "الإسرائيلي" في التقدم واحتلال مناطق أو تدمير بنى عسكرية، فإن المحافظة على هذه النتائج ومنع عودة النشاط المسلح تتطلب انتشارًا مستدامًا وقدرات أمنية وعسكرية إضافية.
ومن هنا، فإن خيار الاحتلال الواسع، الذي قد يبدو نظريًا وسيلة لفرض الحسم، يحمل في داخله احتمال التحول إلى حرب استنزاف طويلة. فالقوات التي تستطيع التقدم والسيطرة على الأرض ليست بالضرورة قادرة على إنهاء المقاومة المسلحة فيها، خصوصًا إذا استمر التنظيم المقابل في الاحتفاظ بقدرات على إعادة الانتشار والعمل.
ولا تنفصل هذه الاعتبارات عن كلفة الحرب على "إسرائيل" نفسها. وكلما طال أمد المواجهة من دون الوصول إلى الحسم، ازدادت أهمية هذه الكلفة في الحسابات السياسية والعسكرية.
لكن العامل الموضوعي الأكثر ارتباطًا بتعثر الحسم السياسي يتمثل في طبيعة النظام اللبناني وحدود قدرة الدولة على فرض نزع سلاح حزب الله. فـ"إسرائيل"، حتى لو نجحت في إضعاف الحزب عسكريًا، تحتاج إلى جهة قادرة على تحويل هذا الإضعاف إلى واقع سياسي وأمني مستقر. وفي الحالة اللبنانية، يُفترض أن تؤدي الدولة ومؤسساتها هذا الدور. غير أن قدرة الدولة على تنفيذ قرار من هذا النوع لا تتوقف على الإرادة السياسية وحدها، بل ترتبط بتوازنات القوى الداخلية، والقدرات الفعلية للمؤسسات الأمنية والعسكرية، واحتمالات الصدام الأهلي، ومدى توافر توافق وطني يسمح بتنفيذ القرار.
وهذا يعني أن الضغوط "الإسرائيلية"، حتى عندما تتقاطع مع مواقف أطراف لبنانية تدعو إلى تفكيك ونزع سلاح المقاومة، لا تضمن الوصول إلى النتيجة المطلوبة. فهناك فارق بين اتخاذ موقف سياسي مؤيد لنزع السلاح، وبين امتلاك القدرة على تنفيذه بالقوة أو بالتوافق.
ومن هذه الزاوية، لا تكفي قراءة المواجهة باعتبارها صراعًا عسكريًا بين "إسرائيل" وحزب الله، لأنها تتداخل مع بنية النظام السياسي اللبناني وتوازناته الطائفية والاجتماعية. فالحسم السياسي الذي تسعى إليه "إسرائيل" يحتاج إلى تغيير في موازين القوى داخل لبنان، وهو تغيير لا تستطيع القوة العسكرية "الإسرائيلية" وحدها إنتاجه أو ضمان استمراره.
يضاف إلى ما تقدم الترابط بين الساحة اللبنانية والتوازنات الإقليمية، وخصوصًا المواجهة بين "إسرائيل" وإيران. فحزب الله يمثل جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، فيما تتأثر القرارات "الإسرائيلية" بشأن الحرب والتصعيد بتوزيع الموارد العسكرية، والأولويات الاستراتيجية، والموقف الأميركي، واحتمالات اتساع المواجهة. وبالتالي، فإن حرية "إسرائيل" في استخدام القوة ليست مطلقة، حتى مع تفوقها العسكري. فكل عملية تصعيد تخضع لحسابات تتجاوز الساحة اللبنانية، وتتصل بكلفتها الإقليمية والدولية وبمدى تأثيرها في المصالح "الإسرائيلية" الأوسع.