kayhan.ir

رمز الخبر: 23121
تأريخ النشر : 2015July27 - 21:49

مصــر.. وسوسيولوجيــا الإنهيــار

أحمد الشرقاوي

في موقف مثير للسخرية والشفقة معا، خرج علينا مسؤول مصري وعلى جري العادة كلما تعلق الأمر بإيران، ليعلن رفض النظام العسكري الانقلابي في القاهرة تدخل طهران في الشؤون الداخلية للدول العربية، مشددا على معزوفة تضامن بلاده مع الأشقاء "العرب” في مواجهة أية تدخلات خارجية، متذرعا بما قال، أنه "ارتباط عضوي للأمن القومي العربي وأمن منطقة الخليج الفارسي بالأمن القومي المصري”..

وجاء هذا الموقف تعقيبا رسميا على تصريحات الإمام الخامنئي بمناسبة عيد الفطر، والتي قال فيها، أن بلاده "لن تجري أي محادثات مع الولايات المتحدة بشأن قضايا ثنائية أو إقليمية أو دولية”، مؤكدا أن "المحادثات النووية كانت حالة استثنائية”، مضيفا، أن "إيران لن تتخلى عن دعمها للحكومة السورية والعراقية ولا الأمم المقموعة في اليمن والبحرين والمقاتلين المخلصين في لبنان وفلسطين.

تصريح المسؤول المصري الذي يعتبر تكرارا سخيفا لتصريحات سابقة صدرت عن الديكتاتور ‘السيسي’ وكراكيزه في الخارجية، يستوجب منا التساؤل عن طبيعة الأمن القومي العربي الذي يتحدث عنه النظام المصري، إن كان يهتم حصريا بأمن الأنظمة الاستبدادية الفاسدة والعميلة في الخليج الفارسي أم يشمل أيضا شعوب هذه المشيخات القروسطية وبقية الشعوب العربية المستضعفة في المنطقة؟..

لأنه إذا كان المقصود به أمن الشعوب، وهذا هو التعريف الصحيح للأمن القومي العربي، فشعب البحرين الذي تحدث عنه الإمام الخامنئي مثلا، شعب مظلوم ومحروم ومقموع ومستضعف، يمارس عليه النظام الصهيوني الخائن في المنامة أبشع أنواع القهر والظلم والإجرام والتنكيل والإقصاء، ويحرمه من أبسط حقوقه المشروعة في الحرية والكرامة والمشاركة السياسية، بالرغم من أن المكون الشيعي في هذا البلد يشكل 70 % من النسيج الاجتماعي، وبرغم ثورته السلمية التي دخلت عامها الخامس أمام صمت العالم ونفاقه..

وبالتالي، ألا يستحق هذا الشعب العربي الأبي وقفة شجاعة في وجه الطاغوت من قبل إخوانه العرب في مصر التي ترفع شعار الدفاع عن أمن العرب اليوم، أم أن شيعة البحرين ليسوا عربا يا ترى، ولا يشملهم الأمن القومي العربي الذي يتباكى عليه نظام العسكر في المحروسة؟..

وماذا عن شعب اليمن المظلوم الذي هو أصل العرب ومنبع العروبة ومنه تفرع العرب وانتشروا على امتداد جغرافية العالم العربي من الخليج الفارسي إلى المحيط بمن فيهم "البرابرة” أو "الأمازيغ”، بشهادة ابن خلدون التي لم يستطع أن يتجاوزها أي باحث في "الأنثروبولوجيا الاجتماعية” حتى الآن؟..

أين أمن اليمن القومي من أمن مصر إذن، ونحن نشاهد عسكر ‘السيسي’ يذبحون الشعب اليمني كل يوم بالأسلحة المحرمة من الطائرات انطلاقا من القواعد العسكرية "السعودية”، وبالصواريخ المدمرة من البوارج الحربية المرابطة في البحر الأحمر، مقابل "الرز السعودي” وخدمة لأجندة صهيو-أمريكية واضحة؟..

ثم أين كانت مصر من أمن السودان العربي الفقير، حين كانت أمريكا و”إسرائيل” و”السعودية” يقسمونه لأنه يشكل أكبر خزان للأمن الغذائي العربي على الإطلاق، بنيله العظيم وتربته الخصبة ومراعيه الشاسعة الخضراء، ناهيك عن مقدراته من البترول التي تستغلها اليوم شركات أمريكية وصهيونية في الجنوب؟..

وإذا كانت مصر هي الدولة العربية الكبرى التي تدعي أحقيتها في قيادة العرب والحرص على أمنهم القومي، وتضم الجامعة العربية التي تتخذ القرارات التي يفترض أنها تخدم هذا الأمن القومي العربي بالدرجة الأولى، فلماذا أضاعت هذا الدور التاريخي المحوري حين قبلت ببيع القضية الفلسطينية لليهود الصهاينة والتوقيع على اتفاقية "كامب ديفيد” المشؤومة بدعوى رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني المظلوم، كما قال المقبور ‘السادات’ بعد عودته من واشنطن في خطاب طنجة الشهير؟..

وللتاريخ نسأل: – هل رفعت مصر بخيانتها للأمة العربية والإسلامية المعاناة عن الفلسطينيين حقا، أم أن معاناتهم زادت أضعافا مضاعفة في عهد الطاغية ‘السيسي’ بما لا يقاس مقارنة بعهد المقبور ‘السادات’ والمخلوع ‘مبارك’، خصوصا في قطاع غزة بسبب تدمير الأنفاق وإغلاق معبر رفح المتنفس العربي الوحيد لأزيد من مليون ونصف فلسطيني يعانون الفقر والجوع والمرض وانسداد الأفق وقلة الحيلة؟.. أم أن الشعب الفلسطيني السني يا ترى، لا ينتمي لقبيلة العرب التي يدافع ‘السيسي’ عن أمنها القومي المفترى عليه؟..

وبالتالي، يحق لنا التساؤل العقلاني والحال هذه، عن الشرعية القانونية والأخلاقية التي سمحت للسلطة العسكرية اللا شرعية في المحروسة ادعاء الوصاية على أمن العرب القومي، ومصر هي أول من اغتالته وباعت دمه في سوق النخاسة السياسة ليسكر به اليهود الصهاينة في أعيادهم القومية والدينية؟..

وهل إيران هددت بالتدخل عسكريا في البحرين أو اليمن مثلا ليخرج علينا النظام المصري بمثل هذه التصريحات المشينة؟.. ألم يقل الإمام الخامنئي صراحة أن الشعب اليمني المؤمن والمجاهد لا يحتاج لأسلحة من إيران، وتبين أنه يصنع صواريخه محليا، وله مخزون هائل من الصواريخ الباليستية والأسلحة المتطورة الروسية، ناهيك عن مسالك التهريب من البحر والبر التي شكلت على الدوام طرق التجارة الممنوعة بين اليمن وإفريقيا، وخصوصا الصومال؟..

أذكر أنه بعد يوم من توقيع مصر على اتفاقية الذل والعار في "كامب ديفيد”، كنت في القاهرة، وخلال الطريق من المطار إلى الفندق سألت سائق التاكسي: – هل تعتقد أن الشعب المصري العروبي سيؤيد اتفاقية السلام مع "إسرائيل”؟.. قال والحزن بادي في نبراته: – يا أخي، مصر حاربت "إسرائيل” لوحدها دون دعم يذكر من الأشقاء العرب، إلى أن أنهك اقتصادها بالكامل، والشعب المصري الفقير بمعظمه تواق اليوم لترفع عنه المعاناة بعد أن لم ينله من الحروب نيابة عن العرب إلا المآسي والنكبات..

حسنـا.. لنسلم جدلا بصحة ما قاله هذا الرجل حينها، ألم يكن من الأقوم دينا والأحسن أخلاقا والأجدى حكمة من الناحية السياسية، أن تنضم مصر إلى نهج الممانعة التي اعتمدته سورية بدل نهج الخيانة في حرب 73 التي تبين أنها كانت حرب تحريك لا تحرير.. وبالتالي، لا تحارب ولا تسالم ولا تستسلم في انتظار أن يفعل الله أمرا كان مقدورا فتتغير الظروف وتتحسن شروط المواجهة؟..

والسؤال الذي يطرح اليوم بالمناسبة هو: – هل استفاد الشعب المصري حقا من السلام، ونحن نسمع أحد كبار المهرجين الإعلاميين للنظام يقول للمصريين قبل أيام على فضائية معروفة بتوجهاتها الصهيونية: – لم يعد في مقدور الحكومة تأمين رغيف العيش اليومي للمصريين فأحرى الشغل، لذلك، أنصح الشباب المصري بالهجرة..

وما ظاهرة قوارب الموت التي انتقلت من المغرب إلى الجزائر إلى تونس إلى ليبيا إلى مصر وصولا إلى لبنان، وما ظاهرة الإرهاب وغيرها من ظواهر الإجرام والانتحار والدعارة.. إلا دليل على فشل النظام العربي في تأمين الحد الدنى من كرامة العيش لمواطنيه، في حين تتحدث المعطيات عن فساد الحكام ونهبهم لخيرات أوطانهم وأموال شعوبهم بالمليارات التي، لو استثمرت في التنمية لكان العرب اليوم في مصاف الدول الرائدة في كل المجالات، ولما تحولت شعوبهم إلى قطعان من الجياع يشحذون رغيف الخبز من فضلات موائد اللئام من ذئاب أمريكا وأوروبا وضباع الخليج الفارسي..

ومرد هذا الوضع المأساوي يعود بالأساس إلى حقيقة مفادها، أن لا وجود لشيئ اسمه "الدولة” العربية الوطنية، هناك فقط "سلطة” قمعية فاسدة، ومصر لم تكن يوما استثناءا، خصوصا بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله، حيث تحول الحاكم العسكري إلى طاغية فيه الكثير مما قاله فرعون قديما لشعبه: أنا ربكم الأعلى، لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الضلال..

ثم دعونا نستذكر في عجالة بعض المحطات الرئيسة الفاضحة في التاريخ المصري المشين لنسأل دون مواربة، لأن الناس ملت من اللغة الخشبية التي لا تصنع الحدث السياسي بقدر ما تعمق المأزق وتكشف عن كذب ونفاق وخداع السلطة العميلة الفاشلة في المحروسة:

* أليست مصر هي التي ساهمت في استصدار قرار من الجامعة العربية قضى بضرب العراق وتفكيك جيشه واحتلاله وتمزيق مجتمعه وذبح أبنائه العرب وتدمير حضارته وطمس هويته ومحو تاريخه الذي يعود لأكثر من 7 ألف سنة؟..

* أليست مصر هي التي استصدرت قرارا آخر أدى لإسقاط النظام في ليبيا وانهيار الوطن وتفكك المجتمع ودخول البلاد في حرب أهلية طاحنة بعد أن تحولت إلى بؤرة للإرهاب وسوق حرة للسلاح لزعزعة أمن واستقرار المنطقة برمتها؟..

* أليست مصر التي تدعي العروبة وكانت شريكة في الوحدة العربية مع سورية، هي من ساهمت في استصدار قرار قضى بطرد بلاد الشام مهد العروبة الأصيلة من الجامعة العربية، بالرغم من أنها عضو مؤسس في هذا المنتظم الذي تحول بفضل مصر إلى مسخرة تثير الشفقة، بالرغم من أن دمشق هي قلب العروبة النابض كما قال عنها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر؟..

فماذا فعلت مصر لللأمن القومي السوري الذي يفترض أنه من الأمن القومي المصري عندما أعلنت الحرب الكونية على سورية العربية من قبل أمريكا وحلفها الأطلسي و”إسرائيل” وتركيا و”السعودية” ومشيخات العهر الخليجية، لمحو وجودها من خارطة المنطقة وتحويلها إلى محميات صهيونية؟..

ولو كان ما أصاب سورية أصاب مصر لما صمد جيشها الفاشل صاحب العقيدة الأمريكية في المواجهة لأكثر من أشهر معدودة، ولأصبحت المحروسة اليوم في حكم المقسمة بين دولة الأقباط في الجنوب ودولة العرب في الشمال، وقد يكون هذا هو المصير الذي تم التخطيط له للقضاء على أي خطر مستقبلي محتمل يهدد أمن الكيان الصهيوني في حال تغيرت الأحوال واستعاد الشعب المصري العظيم سيادته واستقلاله وأقام نظاما عربيا أصيلا بعقيدة دينية جهادية.

* ثم، ألا يحق التساؤل من باب المنطق والعقلانية، عن القدرة التي تمتلكها مصر الضعيفة الفقيرة المنهكة اليوم وفق ما تؤكده تقارير التنمية البشرية الدولية، للدفاع عن الأمن القومي العربي وهي أعجز من أن توفر الأمن لمواطنيها في الداخل بسبب الإرهاب "الإخواني الماسوني” و "الداعشي الوهابي” الذي يضرب في سيناء والقاهرة وبقية المحافظات المصرية بتحريض من "إسرائيل” وتركيا وتمويل من قطر و”السعودية؟..

نقول هذا، لأنه لو كانت مصر قوية بجيشها كما يدعي السيسي زورا وبهتانا، في ما الوقائع الميدانية والحقائق الإحصائية تؤكد العكس تماما، فلماذا استدعى نظام العسكر في القاهرة الجامعة العربية لاجتماع عاجل بهدف تدارس خطر الإرهاب في سيناء؟..

وهل "السعودية” ومشيخات الخليج الذين يمولون الإرهاب ويدعمونه في المنطقة هم من سيحاربونه في مصر؟..

نقول هذا لأن نتائج تدخلهم العسكري في إطار التحالف الأمريكي من 60 دولة في العراق وسورية تؤكد فشلهم الذريع في القضاء عليه، لا لشيئ سوى لعدم رغبتهم في إنهائه لأنهم يستثمرون فيه لتغيير خرائط المنطقة ومصير شعوبها، وأمريكا نفسها أعلن مسؤولوها مؤخرا بوقاحة، أن القضاء على "داعش” وحدها يتطلب 20 سنة على الأقل، فما بالك بـ”القاعدة” ومشتقاتها، وماذا عن العنف السياسي الإخونجي الذي يستهدف النظام دون المدنيين في مصر بسبب سرقة الشرعية الشعبية منه والانقلاب العسكري على خيار الشعب الديمقراطي..

وهل يصح الخلط من الناحية المنطقية والمنهجية بين العنف السياسي والإرهاب؟

نقول هذا لقناعتنا أن المستقبل يبدو مظلما قاتما في مصر، بسبب ما سيتفرخ من حركات معارضة للنظام العسكري الديكتاتوري الفاسد في القاهرة، كنتيجة طبيعية لممارساته القمعية وتعطيله لخريطة الطريق الديمقراطية التي وعد بها الشعب بدعوى مكافحة الإرهاب..

وهو ما يجعلنا نشكك في نوايا هذا النظام الظالم المتسلط، ونذهب حد القول، أن ‘السيسي’ مسؤول عن الإرهاب في مصر، ويستعمله كمطية لسرقة ديمقراطية الشعب وتعطيل أي مطالب محقة بالحرية والعدالة والكرامة والمشاركة الحقيقية في الحكم، وهذا من طبيعة حكم العسكر كما أكدت ذلك عقود من معاناة الشعوب العربية مع حكمهم الاستبدادي البغيض..

لذلك، لا حل للمصريين غير الخروج في ثورة ثالثة يستعيدون بها سيادتهم واستقلالهم ويضعون بعدها دستورهم الذي يختارون على أساسه نظام حكمهم، فيستبعدون العسكر من الحياة السياسية، وينتخبون الرجال الشرفاء القادرين على قيادة سفينة مصر نحو شاطئ النجاة، فيعيدون إليها مجدها وعزها ودورها العروبي الأصيل بعد فك الارتباط باتفاقية الذل والعار مع "إسرائيل”..

غير هذا.. لا حل لمعضلة مصر، لأن المستقبل على ضوء تجارب الماضي ومعطيات الواقع الحالي ينذر بالدم والخراب والتقسيم، وفق ما تؤكده نظرية "سوسيولوجيــا الانهيــار”..

وهو ما لا نتمناه لشعب المحروسة العظيم.