الكيان الصهيوني بين وهم القوة وحقيقة الانهيار الداخلي
- يواجه الكيان الصهيوني واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا ، بعدما بدأت الصورة التي عمل طويلًا على تسويقها بوصفه كيانًا قويًا ومتماسكًا وآمنًا تتصدع أمام أزماته المتراكمة. فالحروب المتواصلة لم تحقق استقرارًا دائمًا، ولم تنجح في إخفاء الخلافات العميقة بين قيادته السياسية والعسكرية، ولا في وقف التراجع المتزايد في ثقة الجمهور بالكيان. وعلى العكس من ذلك، تحولت الحرب إلى عبء ثقيل يستنزف الاقتصاد، ويعمّق الانقسام الاجتماعي، ويكشف محدودية الخيارات أمام حكومة تبدو أسيرة لحساباتها الحزبية والشخصية. وفي الوقت نفسه، يتسع الشرخ بين المتدينين والعلمانيين، وتتزايد الاعتراضات على توزيع الأعباء العسكرية والاقتصادية، بينما تتراجع قدرة قيادة على تقديم رؤية مقنعة للمستقبل. إن المشكلة لم تعد مرتبطة بجبهة عسكرية محددة، بل أصبحت أزمة شاملة تضرب أساسات الكيان الهش السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومع استمرار العناد السياسي والاعتماد على القوة وحدها، يبدو أن الكيان يتجه إلى مرحلة أكثر قسوة، حيث تتآكل قدرته على إدارة أزماته من الداخل، ويصبح الحديث عن التصدع السياسي والاجتماعي احتمالًا متزايدًا لا مجرد خطاب دعائي أو مبالغة إعلامية.
آلة الحرب التي تحولت إلى عبء
أثبتت التطورات الأخيرة أن القوة العسكرية التي يتباهى بها الكيان الصهيوني لم تعد قادرة على إنتاج النتيجة السياسية التي تبحث عنها قيادته. فكل عملية عسكرية جديدة تُقدَّم للجمهور باعتبارها طريقًا إلى الحسم، لكنها تنتهي غالبًا إلى جولة أخرى من القتال، وخسائر إضافية، وضغوط أكبر على المجتمع. وبدل أن تنجح الحرب في استعادة الشعور بالأمن، أبقت ملايين المستوطنيين في حالة خوف دائم، ودفعت قطاعات واسعة إلى التساؤل عن جدوى استمرارها. كما أن استدعاء جنود الاحتياط لفترات طويلة ألحق أضرارًا بالاقتصاد وسوق العمل والحياة الأسرية، بينما يواجه الجنود العائدون من القتال آثارًا نفسية لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية. وقد تحولت المؤسسة العسكرية، التي تُقدَّم عادة بوصفها رمزًا للوحدة، إلى ساحة تتراكم فيها الانتقادات والاتهامات المتبادلة. فكل إخفاق أمني يعيد فتح الأسئلة حول كفاءة القيادة، وكل تصعيد جديد يرفع تكلفة الفشل. وهكذا أصبحت الحرب، بدل أن تكون وسيلة لتعزيز قوة الكيان، عاملًا يستنزف موارده ويكشف عجزه عن تحقيق أهداف واضحة. وكلما طال أمدها، ازداد احتمال تحول الغضب الشعبي من الخصوم الخارجيين إلى المسؤولين عن إدارة الحرب.
حكومة أسيرة للخوف على السلطة
تكشف الأزمة السياسية أن الحكومة الصهيونية لا تتحرك وفق رؤية متماسكة، بل وفق حسابات البقاء في السلطة. فقد أصبح الائتلاف الحاكم مزيجًا هشًا من أطراف متناقضة، يجمعها الخوف من الانتخابات أكثر مما يجمعها مشروع سياسي قابل للاستمرار. وفي قلب هذا المشهد يقف نتنياهو، الذي يبدو مستعدًا لإطالة الأزمة وتوسيعها من أجل تجنب نهاية سياسية قد تفتح أمامه ملفات قانونية خطيرة. وبدل الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية، تلجأ القيادة إلى تحميل الآخرين تبعات الفشل، وإلى استخدام الخطاب الأمني لتخويف الجمهور وإسكات المعارضين. لكن هذه الوسائل تفقد تأثيرها مع مرور الوقت، لأن المستوطن الذي يعاني غلاء المعيشة أو فقدان أحد أفراد أسرته أو عودة قريب له من الحرب مصابًا نفسيًا لا يكتفي بالشعارات. يقال إن أخطر ما في هذه الحكومة الصهيونية أنها لا تملك مخرجًا حقيقيًا من الأزمة التي وقعت فيها؛ فالتراجع قد يؤدي إلى سقوطها، والاستمرار في التصعيد قد يوسّع الخسائر. ولذلك تبدو عالقة بين خيارين كلاهما مرّ. وفي ظل هذا العجز، يتحول الكيان الصهيوني إلى رهينة لمصالح قيادة تخشى السقوط أكثر مما تخشى انهيار الثقة العامة.
مجتمع ممزق من الداخل
لا يستطيع الكيان الصهيوني إخفاء حقيقة أن مجتمعه المستوطن يعاني انقسامًا عميقًا حول "الجيش والهوية والحقوق والواجبات". فقد أصبح الخلاف بين العلمانيين والحريديم يتجاوز النقاش السياسي العادي، ليتحول إلى صراع على شكل كيانهم ومستقبله. ويشعر قطاعات واسعة من الصهاينة بأنهم يتحملون العبء الأكبر من الخدمة العسكرية والضرائب والخسائر، بينما تستفيد جماعات دينية من امتيازات واسعة من دون مشاركة مماثلة في تحمل أعباء الحرب. وفي المقابل، ترى الأحزاب الدينية أن أي محاولة لتغيير هذا الوضع تستهدف نفوذها ووجودها السياسي. وبين الطرفين تتآكل فكرة المصير المشترك التي حاولت المؤسسة الرسمية ترسيخها منذ عقود. كما أن الانقسامات لا تقتصر على العلمانيين والمتدينين، بل تشمل أيضًا الشرقيين والغربيين، والطبقات الغنية والفقيرة، وسكان المدن والمستوطنات، ومعارضي الحكومة ومؤيديها. وعندما تجتمع هذه التناقضات في ظل حرب طويلة وأزمة اقتصادية، يصبح المجتمع الصهيوني أكثر قابلية للانفجار. وقد لا يبدأ التفكك بانهيار مفاجئ، بل بسلسلة من الاحتجاجات والرفض والعصيان وفقدان الثقة، إلى أن يكتشف الكيان أنه لم يعد يملك إجماعًا داخليًا يحميه من الانقسام.
اقتصاد يدفع ثمن الغرور العسكري
يدفع الاقتصاد الصهيوني ثمنًا متزايدًا لسياسة تعتقد أن التفوق العسكري قادر على معالجة كل مشكلة. فالحرب المستمرة تحتاج إلى مليارات الدولارات، ليس لتمويل العمليات والتسليح فقط، بل لتعويض المتضررين وإعادة بناء المناطق المتضررة ودعم جنود الاحتياط وعائلاتهم. ومع اتساع النفقات، تتقلص قدرة الحكومة الصهيونية على الإنفاق في مجالات التعليم والصحة والإسكان والخدمات الاجتماعية. ويشعر المواطنون بذلك عبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن والطاقة، وتراجع القدرة على الادخار، وزيادة القلق بشأن فرص العمل والمستقبل. والأسوأ من ذلك أن الاقتصاد لا يعمل في فراغ؛ فهو يتأثر بصورة الكيان في الخارج، وبالانتقادات الدولية، وبمخاطر المقاطعة وتراجع الاستثمارات والسياحة. وكلما استمرت الحكومة الصهيونية في تجاهل هذه الحقائق، ازداد الفارق بين خطاب القوة والواقع الاقتصادي الهش. فجيش الاحتلال قد يملك أسلحة متقدمة، لكن الكيان الضي يعجز عن حماية استقراره المعيشي لا يستطيع الادعاء بأنه يعيش وضعًا طبيعيًا. وإذا استمر الإنفاق العسكري بلا أفق سياسي، فقد تتحول الحرب من عبء مؤقت إلى استنزاف دائم يهدد الطبقة الوسطى ويعمّق الفقر ويجعل الغضب الاقتصادي وقودًا لاحتجاجات واسعة ضد القيادة.
سقوط صورة الكيان القوي
أخطر ما يواجهه الكيان الصهيوني ليس خسارة معركة محددة، بل انهيار الصورة التي بنى عليها نفوذه وردعه لعقود. فقد قامت هذه الصورة على فكرة أن الكيان يمتلك قيادة حاسمة، وجيشًا لا يُهزم، ومجتمعًا متماسكًا، ودعمًا دوليًا مضمونًا. غير أن الأزمات المتلاحقة كشفت أن هذه العناصر ليست ثابتة كما كان يُروَّج لها. فالقيادة تعاني صراعًا داخليًا، وجيش الاحتلال يواجه استنزافًا متواصلًا، والمجتمع يعيش انقسامًا حادًا، والدعم الدولي يتعرض لضغوط متزايدة. وعندما تتراجع الثقة بهذه الصورة، يصبح الردع أقل تأثيرًا، حتى لو بقيت الترسانة العسكرية كبيرة. إن الكيان الذي يعتمد على الخوف لإدارة علاقاته لا يستطيع الاستمرار طويلًا إذا بدأ الآخرون، في الداخل والخارج، باكتشاف حدود قوته. ومن منظور متشائم، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة تآكل بطيء: أزمات حكومية متكررة، احتجاجات اجتماعية، ضغوط اقتصادية، واستقطاب ديني وسياسي يصعب احتواؤه. وقد لا يكون الانهيار لحظة واحدة، بل مسارًا طويلًا تفقد خلاله الدولة قدرتها على إقناع مواطنيها بأنها قادرة على حمايتهم وتوفير مستقبل مستقر لهم. وعندها يظهر التناقض الأكبر: كيان كان يروج لنفسه أنه يملك قوة عسكرية ، لكنه يزداد هشاشة كلما طال أمد أزمته الداخلية .
في النهاية، يكشف الواقع أن الكيان الصهيوني، رغم ترسانته العسكرية ودعمه الخارجي، يعاني أزمة عميقة تتجاوز حدود الحرب والسياسة. فقد أضعفته الانقسامات، واستنزفته المواجهات، وبددت حكوماته المتعاقبة ثقة مستوطنية وكلما لجأ إلى القوة المفرطة، ازداد انكشاف عجزه. إن ما يقدمه بوصفه انتصارًا ليس سوى تأجيل لأزمات أكثر خطورة، وما يروّجه عن التماسك يخفي مجتمعًا مثقلًا بالخوف والاستقطاب. وقد يستطيع الكيان إطالة أمد الصراع، لكنه لن يستطيع إخفاء حقيقة تآكله الداخلي إلى ما لا نهاية.