kayhan.ir

رمز الخبر: 231201
تأريخ النشر : 2026October07 - 20:52

الطوفان افتتح مساراً لم يُغلق

 

ناصر قنديل

 تحلّ الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى والحرب التي افتتحها لم تبلغ نهايتها، والأسئلة التي فرضها تتجاوز حدود غزة إلى مستقبل المنطقة ومكانتها في العالم. لذلك يصعب قياس الحدث بحصيلة مواجهة منفردة، أو بصورة الجغرافيا عند محطة معينة. لقد قلب الطوفان الطاولة في لحظة كان فيها مشروع أميركي واسع يستعدّ لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، وإدخال “إسرائيل” في قلب شبكة تربط اقتصادات الشرق بأسواق الغرب، وتمنح التطبيع وظيفة تتجاوز العلاقات الدبلوماسية إلى تأسيس نظام إقليمي جديد.

في أيلول 2023، أعلنت إدارة جو بايدن مشروع الممر الاقتصادي الرابط بين الهند وأوروبا عبر السعودية والأردن و”إسرائيل”، ودفع التطبيع السعودي الإسرائيلي للتقدم. وكان المعنى السياسي للمشروع إخراج فلسطين من موقع القضية التي يتوقف عليها مستقبل المنطقة، وتحويل “إسرائيل” إلى عقدة ضرورية في تجارتها ومواصلاتها. والممر المقترح يشمل السكك الحديدية والطاقة والاتصالات، ويرسم مصالح طويلة الأجل بين أطرافه. لكن شبكة بهذا الحجم تحتاج إلى منظومة أمنية تحميها، وتمنع القوى الرافضة للاحتلال من تعطيلها، بما يفتح الطريق لحرب مفاجئة تستهدف قوى المقاومة وتنتهي بالتخلص منها كمصدر تهديد أمني محتمل.

من هذه الزاوية قرأت المقاومة المشروع باعتباره مقدمة لتصفية حضورها، بعدما تصبح حماية الممر والتطبيع عنواناً لتحالف يملك أسباباً إضافية للحرب عليها. جاء الطوفان ليسبق اكتمال هذا الترتيب، ويعيد فلسطين إلى مركز الحسابات. وما ظهر لاحقاً من عمق التحضير الإسرائيلي لضرب المقاومة في لبنان يضيء هذا السياق؛ وهذا التحضير السابق يجعل قراءة الحرب باعتبارها مجرد رد فعل على الإسناد قراءة قاصرة. لقد دخلت المنطقة مواجهة كانت أدواتها تُعدّ قبل اندلاعها، بينما غيّر الطوفان والإسناد توقيتها وسياقها، وحرما مشروع الاستئصال من راحة التنفيذ في ساحات منفصلة.

أصاب الطوفان صورتين قامت عليهما القوة الإسرائيلية. الأولى صورة الجيش الذي يعرف كل شيء، ويصل إلى كل مكان، ويحسم قبل أن يتلقى الضربة. والثانية صورة الدولة التي تقدّم نفسها امتداداً حضارياً للغرب الديمقراطي في شرق تصفه بالتوحش. انهارت الأولى أمام اختراق منظومة الحدود والاستخبارات، وتآكلت الثانية أمام الحرب على غزة، حين أصبحت صور الأطفال تحت الأنقاض والمستشفيات المدمرة والتجويع شهادة يومية على حقيقة الاحتلال.

لم يبقَ أثر هذا التحول في دائرة التعاطف الإنساني. انتقلت قطاعات واسعة، خصوصاً بين الشباب الغربي، من السؤال عن إغاثة الفلسطينيين إلى السؤال عن حقوقهم، وعن مسؤولية حكوماتها في تسليح “إسرائيل” وحمايتها. وباتت الرواية الفلسطينية قادرة على اختراق جامعات وإعلام ومساحات سياسية احتكرتها الرواية الصهيونية طويلاً. وفي استطلاع «بيو» لعام 2026، بلغت النظرة السلبية إلى “إسرائيل” بين الأميركيين 60%، بينما بلغ وسيطها عبر 36 دولة 67%. وهنا يقع الانتصار التاريخي للرواية الفلسطينية عبر تحويل الاحتلال نفسه إلى موضوع مساءلة، بعدما كانت مساءلة ضحاياه هي القاعدة.

مع حروب الإسناد، اتسع الارتطام بين الشرق والغرب إلى مستوى يستدعي المقارنة بأكبر مواجهاتهما التاريخية منذ الحروب الصليبية. وهذه مقارنة بحجم انكشاف الصراع على السلطة والممرات ومكانة الشعوب، فقد استنهضت المواجهة قوى كانت قدراتها خارج الحسابات الغربية المباشرة. ظهر اليمن قوة تستطيع تحدي السيطرة الأميركية على البحر الأحمر، وتحويل موقعه إلى تأثير عالمي. ودخلت إيران مواجهة دفاعاً عن نفسها، فتحولت الحرب معها وعليها إلى استعصاء يصعب الخروج منه، بعد الرهان على أن ضرب المركز سينهي الأطراف.

قدّم هذا المسار معادلة جديدة في إدارة الصراع، فقد تجاوز ضبط الحركة تحت سقف الخشية من العواقب إلى فرض وقائع تغيّر حسابات الخصم وحسابات القوى الأخرى. ودعا العالم إلى إلقاء مسؤولية الوحشية على من يرتكبها؛ فالقرار الإسرائيلي بتدمير غزة كشف دولة تستبدل عجز الحسم باستباحة المجتمع، وتدفع مقابل ذلك من شرعيتها ومكانتها وعلاقاتها، وهي خسائر يتجاوز إصلاحها إعادة بناء صورة إعلامية.

كما فتح الطوفان سياقاً زجّ في المواجهة قوى لم يكن ممكناً افتراض دخولها بهذا الاتساع، من لبنان والعراق واليمن وصولاً إلى إيران. وتكشّفت محدودية القدرة الأميركية والإسرائيلية على إنتاج نصر حاسم يغلق جميع الجبهات. ومن هنا صار الرهان على إسقاط إيران محاولة لتحريك دومينو ينهي الحروب التي تعذر إنهاؤها منفردة. غير أن اتساع الحرب يوسّع أيضاً أثمانها ومخاطرها، ولا يمنح أصحابها ضمانة الخروج بالنتيجة المطلوبة، ويفتح الباب لمعادلات دوليّة تتغير بسرعة وعلاقات دولية تُعاد كتابتها وأزمات اقتصادية تعيد صياغة موازين القوى.

بقياس التضحيات، كانت الفاتورة هائلة، وبقياس التاريخ، أعاد الطوفان فلسطين إلى مركز العالم، وكسر احتكار الرواية، وفتح امتحاناً للقوة الغربية والإسرائيلية لم يُحسم. وما زال المسار مفتوحاً؛ لذلك تبقى الحصيلة التاريخية أكبر من لحظة عسكرية، والسؤال الذي تطرحه ذكرى الطوفان ليس ماذا لو لم يحدث، فالجواب كان مرسوماً في مسار التطبيع والممرات الاقتصادية، موت بارد للقضية الفلسطينية، بإخراجها من حسابات المنطقة والعالم، وموت سريع للمقاومة الفلسطينية على الساخن، بحرب استئصال تتوافر لها التغطية السياسية والأمنية. السؤال هو ماذا لو تفاعلت حكومات المنطقة وشعوبها مع الطوفان بطريقة مختلفة، تشبه، في حدّها الأدنى، ما فعلته حكومات وشعوب أوروبية؟ ماذا لو تحولت العلاقات والمصالح والممرات والأسواق إلى أوراق ضغط لوقف الحرب، ووجد الغضب الشعبي طريقه إلى فعل سياسي متواصل يفرض على الحكومات تغيير مواقفها؟ عندها يصبح النقاش في حجم الفرص التي أُهدرت، وفي مقدار ما كان يمكن تجنيبه للفلسطينيين من تضحيات، وما كان يمكن انتزاعه لهم من حقوق. لقد أعاد الطوفان فتح القضية، لكن الذين امتلكوا القدرة على تحويل هذا الفتح إلى مكاسب سياسية يتحملون مسؤولية عدم منح الخيارات التي فتحها الطوفان فرصة أقل ثمناً.

captcha