ايران النوويّة فتش عن الاقتصاد المقاوم
نور الهدى صالح
النصر الذي حققته ايران في ملف المباحثات النووية يُظهر مدى القوة التي تتمتع بها الجمهورية الاسلامية في مواجهة التحديات العالميّة. فالصمود الذي اتصفت به ايران في وجه "ضغوطات” الدول الكبرى كان العامل الأبرز الذي آل إلى تحقيق هذا النصر. لا يتجلّى الصمود الايراني معنويًا فقط، بل يتعدّاه إلى الصمود الاقتصادي الذي اعتمد على خطة استراتيجيّة تدعى "الاقتصاد المقاوم” والتي تضمنت سلامة اقتصاد ايران وحالت دُون تدهوره في مواجهة الصدمات المختلفة.
خصائص الاقتصاد المقاوم
يعتمد الاقتصاد المقاوم على خصائص متعددة، ذكرها آية الله العظمى سماحة الإمام السيّد علي الخامنئي سابقا، منها تحريك العجلة الاقتصادية، القدرة على مقاومة التحديات، الاعتماد على الطاقات الداخلية، الحركة الجهادية، محورية الشعب، الاكتفاء الذاتي، تقليل الارتباط بالنفط، إصلاح نموذج الاستهلاك، مكافحة الفساد، ومحوريّة العلم.
يبنى هذا الاقتصاد على ركيزتين أساسيّتين تميّزه عن غيره. يعددها الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحليم فضل اللّه لـ”العهد الاخباري”. "فالسيادة والاستقلال الاقتصادي المبني على قاعدة متينة تحرر البلد من التبعية للخارج تعدّ أوّل ركيزة تميّز الاقتصاد المقاوم، يليها "منع الآخرين من استخدام الوسائل الاقتصادية كسلاح سياسي للتأثير على موقف أو سياسة دولة ما”
واقع ايران بعد التطبيق
.”لقد تمكنت إيران إلى الآن من حلحلة جزء كبير من مشاكلها بالاستناد إلى نموذج الاقتصاد المقاوم، واستطاعت أن تنتصر على الضغوط العالمية بفعله”. هكذا يوضّح فضل اللّه فعالية هذا الاقتصاد في مواجهة التحديات والضغوطات الخارجيّة على إيران. ويعتبر أنّ هذا النموذج "ليس نظريًا فحسب بل هو مبني على تجربة ثلاثة عقود أو أكثر من مقاومة الضغوطات الخارجية والحصار”. ويشير إلى أنّ "تبنّي إيران لخصائص الاقتصاد المقاوم منذ الثورة وحتى الآن، جعلها تتكيّف مع العقوبات والحصار والحروب التي تتصف بأدواتها الاقتصادية واستطاعت الصمود وبناء قاعدة انتاجيّة وصناعيّة وعلميّة، ومنافسة بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكيّة ببعض المجالات”. وهذا ما جعل إيران بحسب فضل اللّه، تحل مشاكلها الداخلية والخارجية اعتماداً على قدراتها الذاتية، وبالاستفادة من تجربة طويلة من المقاومة السياسية والممانعة الاقتصادية والعسكرية للضغوطات الخارجية.
وفي إطار الحديث عن الانجازات التي حققتها ايران بفعل صمودها ومع الاستفادة من عناصر الاقتصاد المقاوم يشير فضل اللّه إلى أنّ "الجمهورية الاسلاميّة تمَكنت من اجتذاب الطاقات العلمية المهاجرة، تحفيز النظام التربوي التعليمي لاعطاء الاهتمام والرعاية للطاقات الواعدة، وتحقيق قدر من الأمن الغذائي للسلع والاكتفاء الذاتي للسلع الأساسيّة”. كل ذلك يراه فضل اللّه ضمن الانجازات التي أضيفت على الانجاز الكبير الذي حققته ايران حين كسرت شوكة الولايات المتحدة الأمريكيّة وآلت لاعتراف الأخيرة بأنّها دولة نوويّة.
إذا بالنسبة لفضل اللّه "فالتزام إيران بهذا النموذج حقق للجمهوريّة ولما يزَل، تقدّمًا هائلاً في ظلّ محاولات الضغط التي عايشتها”. يثني على كلامه الخبير الاقتصادي الدكتور كامل وزنة في مقابلة مع "العهد”، الذي يرى أنّ الاقتصاد الايراني اليوم قطع أشواطًا من التقدم بفعل اتباع الاقتصاد المقاوم. ويشدد على أهميّة العناصر التي حققت نجاح هذا النموذج والتي "تعتمد على القدرات الذاتيّة، تحقيق العدالة الاجتماعيّة، والمحافظة على الميزان الاقتصادي”. فاستطاعت إيران بذلك أن تحقق إنجازات لا تستطيع دولة أخرى مواجهتها في ظلّ الضغوطات التي واجهتها الجمهوريّة منذ أكثر من 39 سنة.
الاقتصاد المقاوم في بلدان أخرى
مسألة تطبيق نموذج الاقتصاد المقاوم ليست بعيدة عن مرأى الدول الأخرى. هذا ما يوضّحه وزنة "للعهد” "فالاقتصاد المقاوم مرتبط بالمعرفة والثقافة والتقدم العلمي، متى ما وجدت هذه العناصر كانت لأي دولة مؤهلاتها للاعتماد على هذا الاقتصاد”.
يطرح فضل اللّه وجهة نظر أخرى في سياق هذا الموضوع، حيث يشدد على وجوب توفّر شرط أساسي وهو الاستقلال الفعلي في الدول التي تسعى لاعتماد هذا النموذج، "فالدول القائمة على التبعيّة لا تستطيع أن تحقق نموذج الاقتصاد المقاوم”.
الاقتصاد المقاوم في لبنان
يقارن فضل الله بين تركيبة الاقتصاد اللبناني والآخر الايراني وبين تجربتهما السياسيّة المختلفة. ويبيّن الصفة المشتركة بينهما التي "تتجسد في امكانية تعرض كليهما للضغوطات الاقتصادية التي قد تستعمل إمّا بالترهيب لتغيير المواقف، أو الترغيب لاتباع سياسات محددة”.
في محاولة لمعرفة امكانية اقامة اقتصاد مقاوم في لبنان، يبين فضل الله "أنّ هناك قدرة على بناء بعض خصائص الاقتصاد الممانع ضمن التجربة والخصوصية اللبنانية.”
ويشير إلى بعض الخطوات التي تساعد في هذا المجال "والتي تعتمد أوّلاً على بناء قاعدة انتاجية، ثمّ الاستغناء عن الريع، والاعتماد على الطاقات الذاتية والبشريّة، ما يجعل الاقتصاد اللبناني أقلّ ارتهانا للأموال الآتية من الخارج”.
هذا من حيث المبدأ اما الواقع فيبدو اكثر تعقيدا. يرى فضل الله ان الاقتصاد المقاوم يبقى "رهين حل المشاكل الاقتصادية الأساسية أو التخفيف من وقعها، مثل مشاكل الدَّين العام، الريوع التي تضغط على الأسعار وغيرها من مشاكل بنوية يعاني منها الاقتصاد اللبناني”.