الديزل: فشل رهان الاحتياط… فهل ينجح رهان الضرائب؟
– راهنت واشنطن والعواصم الأوروبية على فتح الاحتياطيات لاحتواء أزمة الديزل، وخفض كلفة الوقود التي تضغط على النقل والزراعة والصناعة، ومنها على أسعار الغذاء والسلع. وجاء إعلان مجموعة السبع طرح مئة مليون برميل من النفط الخام والديزل، مع أولويّة لضخ الديزل خلال عشرين يوماً، محاولة لإقناع الأسواق بأن الحكومات تمتلك ما يكفي لكسر موجة الغلاء. لكن أسعار المحطات بقيت قرب مستوياتها المرتفعة، لتكشف أن حجم الأزمة أكبر من قدرة الاحتياطيّات على إحداث الانفراج المنشود.
– المعيار هو ما يدفعه المستهلك عند المضخة. في الولايات المتحدة، بلغ متوسط الديزل في الخامس من تشرين الأول 6.32 دولارات للغالون، مقابل 6.45 دولارات قبل أسبوع؛ تراجع بنحو 2% بما يترك السعر أعلى بنحو 71% من مستواه قبل عام. وفي بريطانيا، بقي متوسط المحطات حول جنيهين لليتر، مرتفعاً قليلاً عن الأسبوع السابق. وفي فرنسا، ظلت القراءات المتاحة قرب 2.36 يورو لليتر، مقابل نحو 2.37 يورو في المؤشر الأسبوعي السابق. بقيت الفاتورة ثقيلة، ولم تنتج خطة الاحتياطيّات انخفاضاً يغيّر حسابات الأسر والمؤسسات.
– في مقابل هذا الأثر المحدود، تدفع الحكومات من مخزونها الذي تحتاج إليه لمواجهة استمرار الأزمة. الاحتياطي كمية محدودة، والسوق تستهلك الوقود كل يوم. وعندما يستمر ضعف الإمدادات، تصبح عمليات السحب تعويضاً متكرراً عن نقص متجدد. وتزداد المشكلة لأن الكميات المعلنة تجمع الخام والديزل، بينما الحاجة الملحّة في المحطات هي إلى وقود جاهز للاستخدام. فتح مخزون الخام يبقى مرتبطاً بقدرة المصافي على التكرير، ثم بقدرة شبكات النقل والتوزيع على إيصال المشتقات.
– وتظهر أرقام أوروبا عمق الفجوة. فبحسب بيانات «فورتكسا» التي نقلها «أويل برايس»، انخفضت واردات الديزل في أيلول إلى نحو مليون برميل يومياً، أقل بستين ألف برميل من الشهر نفسه العام الماضي، فيما كانت الشحنات البحرية المتجهة إلى أوروبا أقل بأكثر من الربع مقارنة بالعام الماضي. هذه فجوة في التغذية اليومية للسوق، تترافق مع ضغط الصيانة على إنتاج المصافي الأوروبية. ولذلك يصعب أن تتحوّل دفعة من المخزون إلى علاج مستقر لنقص الإمداد.
– من هنا يأتي الانتقال الأميركي إلى رهان الضرائب. فقد نقلت رويترز أن ترامب يُعِدّ أمراً تنفيذياً لتوسيع إتاحة الديزل المعفى من الضرائب، مع خيارات تشمل الوقود المستخدم في الزراعة والمركبات خارج الطرق، والتنسيق مع الولايات بشأن إعفاء ديزل الطرق. الانتقال يكشف أن الضغط على سعر المحطات بقي قائماً بعد إعلان فتح الاحتياطيات، وأن واشنطن تبحث عن هامش جديد لخفض الفاتورة قبيل انتخابات التجديد النصفي.
– لكن هامش الضرائب له حدود واضحة. الضريبة الفدرالية الأميركية على الديزل تبلغ 24.4 سنتاً للغالون؛ إلغاؤها بالكامل، وانتقال التخفيض كله إلى المستهلك، يخفض السعر الحالي من 6.32 إلى نحو 6.08 دولارات فقط. أما الوصول إلى تخفيض أكبر فيحتاج إلى إشراك الولايات والمحليّات في التنازل عن إيراداتها، أو إلى دعم تدفعه الخزينة. بذلك تنتقل المعالجة من استهلاك المخزون إلى استهلاك موارد الموازنة.
– والجباية من الوقود مورد كبير للحكومات، يشمل البنزين والديزل وسواهما. فقد بلغت الضرائب الفدرالية الأميركية على وقود الطرق نحو 29.2 مليار دولار في 2024، قبل إضافة ضرائب الولايات والمحليات. وفي بريطانيا، قُدّرت حصيلة رسم الوقود بنحو 24 مليار جنيه في السنة المالية 2025–2026، تضاف إليها القيمة المضافة. وفي فرنسا، بلغت حصيلة ضريبة المنتجات الطاقوية نحو 30 مليار يورو في 2023، قبل القيمة المضافة. هذه الأرقام وحدها تبيّن حجم المورد المالي الذي ستضطر الحكومات إلى التضحية بجزء منه لتخفيف الغلاء.
– رهان الضرائب يستطيع خفض الفاتورة بمقدار ما تتنازل عنه الخزينة، لكنه يضع الحكومات أمام معادلة قاسية: كل تخفيض يحتاج إلى تمويل، وكل استمرار للأزمة يطيل كلفة التمويل. وإذا لم تُعوّض خسارة الإيرادات بموارد أخرى، اتسع العجز وازدادت الحاجة إلى الاقتراض. وإذا عُوّضت بضرائب جديدة أو خفض الإنفاق، عاد المستهلك ليدفع من باب آخر.
– فشل رهان الاحتياط في إنتاج انفراج ملموس، فهل ينجح رهان الضرائب؟ الجواب تحيط به شكوك كبيرة وكثيرة؛ فالمخزون يتناقص، والإيرادات يمكن أن تتراجع، بينما الطلب على الوقود يستمر. وكل تأخير في استعادة الإمدادات المنتظمة يحوّل معالجة الغلاء إلى نزيف مالي، ويجعل التخفيف المؤقت عن المستهلك عبئاً متراكماً على الدولة. أزمة بهذا الحجم تستنزف الاحتياط والموازنة معاً، وتعيد فرض السؤال عن معالجة أسبابها.
البناء