ما هو المطلوب لتتحقق السيادة الوطنية الكاملة في العراق؟
عادل الجبوري
قد تكون أوضاع العراق السياسية والأمنية والاقتصادية خلال العقدين المنصرمين، واختلاف وتقاطع الأجندات والأولويات، ساهمت إلى حد كبير في فسح المجال لقوى خارجية -إقليمية ودولية- للتدخل والاستحواذ على مساحات من النفوذ، لا سيما في ظل الاحتلال والتواجد العسكري الأميركي لأعوام طوال، الذي أسس لمنهجيات سلبية راكمت الأخطاء والانحرافات، وجعلت البيئة السياسية العراقية عرضة للتجاذبات والصدامات والصراعات، ولاختراق التنظيمات والجماعات الإرهابية التكفيرية كـ"القاعدة" و"داعش"، بتمويل ودعم وتشجيع وتحريض من الخارج.
ومن الطبيعي جدًّا أن تفرض مثل تلك الحقائق والوقائع نفسها، في خضم النقاش والسجال والجدل الذي تشهده الساحة العراقية، حول مفهوم السيادة الوطنية، ومسارات تطبيقها، ومصاديق تحققها، خصوصًا بعد انتهاء التواجد العسكري الأجنبي في البلاد، في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي.
ويتفق جميع الفرقاء -أو الشركاء- السياسيين في العراق على أهمية تقوية الدولة وترسيخ ركائزها، وضرورة تعزيز سيادة القانون، إلى جانب تقدير حجم وطبيعة التحديات والمخاطر المحدقة بالبلاد، والظروف الإقليمية المرتبكة، وعدم وضوح مسارات ومآلات الصراع المحتدم في المنطقة.
وارتباطًا بذلك، فإن الكثيرين يؤكدون على أن عملية تسليم السلاح وحصره بيد الدولة، ينبغي أن تترافق معها خطوات وإجراءات في جوانب ومجالات أخرى، حتى تفضي إلى النتائج والمعطيات المرجوة والمطلوبة، وللحؤول دون تعرض المشهد العام في البلاد لاهتزازات وتوترات وتصدعات كبيرة وخطيرة.
فهناك من يقول إن هذه العملية في سياقاتها الدستورية والقانونية، يجب أن تتوفر لها مساحة واسعة من التفاهمات السياسية، المبنية على حوارات ونقاشات وأبحاث بناءة، بعيدًا عن لغة الاستفزاز، وفرض الإرادات، وكسر العظم، لأن ظروف وأوضاع البلاد لا تحتمل أي تأزم أو تأزيم. ونجاح الحكومة في مهامها بقدر ما يرتبط بتقديم أفضل الخدمات، ومحاربة الفساد، وملاحقة الفاسدين، وفرض القانون والنظام، بقدر ما يحتاج إلى احتواء واستيعاب للجميع، واتخاذ الخطوات والقرارات التي تعود بالنفع والفائدة على الجميع أيضًا.
ولا يختلف اثنان على أن اكتمال جلاء القوات الأجنبية من البلاد، يعدّ حدثًا تاريخيًّا كبيرًا، كونه يمثل نقطة تحول مهمة، ومحطة مفصلية في مسار استعادة السيادة الوطنية، وطي صفحة الوجود الأجنبي المرفوض، والاتجاه إلى معالجة آثار ومخلفات وتراكمات حقبة الاحتلال الأميركي وعموم الوجود الأجنبي.
ولا يختلف اثنان على أن الفرصة باتت مؤاتية للعراقيين ليثبتوا قدرتهم على إدارة شؤون بلادهم بحكمة وعقلانية، وتغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة، من أجل قطع الطريق، وإغلاق الأبواب أمام أي سيناريوهات مماثلة أو شبيهة بسيناريو "داعش" الإرهابي صيف عام 2014.
كذلك لا يختلف اثنان على أن إنهاء الوجود الأجنبي، لا يمثل نهاية المطاف، بل إن هناك خطوات أخرى لا بد من اتخاذها حتى تكتمل مقومات السيادة الوطنية، وأن هذه المهمة لا تقع على عاتق الحكومة فحسب، بل تتحملها مختلف القوى والفاعليات السياسية، والنخب الدينية والمجتمعية والثقافية، ووسائل الإعلام، ومراكز التوجيه وصناعة الرأي العام، وعموم المواطنين، كل بحسب موقعه، ومساحات حضوره، ومديات وميادين تأثيره.
ولا شك أن ترتيب أوراق الملف الأمني، يأتي على رأس الأولويات، إذ إن اكتمال وتكامل المنظومات الأمنية، وتكريس مركزية القرار الأمني، والتنسيق عالي المستوى، من شأنه تعزيز الاستقرار السياسي، وترسيخ التعايش المجتمعي، وتحقيق الازدهار الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، فإن القضية المهمة في الملف الأمني، تتمثل في التركيز على الجانب النوعي التخصصي، فإذا كانت قوة الجيوش تقاس في السابق بعدد أفرادها، وكميات أسلحتها، فإنها باتت مع مرور الزمن تقاس بما تملكه من تقنيات متطورة قادرة على أن تواكب مقتضيات ومستجدات وتحولات العصر. فلم تعد الحروب تخاض بالجنود والدبابات والمدرعات، بقدر ما تخاض بالطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة، والاستفادة القصوى من ثورة الذكاء الاصطناعي، وأدوات الأمن السيبراني. ولم يعد أمن أي بلد يتحقق بمقدار عدد الجنود المرابطين على الحدود، وبعدد نقاط التفتيش والسيطرات في الشوارع والأزقة والطرق، ولا بأي مظهر من مظاهر العسكرة والتجييش والتسليح. وهذا ما ينبغي العمل عليه بوتيرة سريعة ومدروسة وممنهجة حتى لا تتكرر أخطاء وكوارث الماضي القريب والبعيد.
والبيئة الأمنية المستقرة، توفر بيئة سياسية مستقرة هي الأخرى، تنحسر وتتقلص فيها الاهتزازات والتقلبات السياسية المسببة للفوضى والاضطراب والصدام، كما كان يحصل إبان وجود تنظيم القاعدة وبعده تنظيم "داعش" الإرهابيين في مساحات غير قليلة من الجغرافيا العراقية طيلة عشرة أعوام أو أكثر.
فضلًا عن ذلك، فإن استعادة السيادة الوطنية الكاملة، تستلزم من بين ما تستلزمه، تحقيق الاستقلال الاقتصادي، الذي يتطلب تحرير الأموال العراقية من الهيمنة الأجنبية، سواء هيمنة البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو أي جهة أخرى، والاتجاه لبناء شراكات اقتصادية استراتيجية رصينة مع دول مهمة وقوية، كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند، بعيدًا عن إملاءات واشتراطات الولايات المتحدة، وأكثر من ذلك، الانضمام إلى تكتلات اقتصادية عالمية ثقيلة ومؤثرة، مثل منظمة "بريكس"، ومنظمة "شنغهاي" للتعاون، وغيرهما، فضلًا عن الشروع بإصلاحات اقتصادية مدروسة من شأنها أن تحرك عجلة الاقتصاد الوطني، وتقلل من الاعتماد على الخارج في كل شيء، إلى جانب إيجاد مشاريع اقتصادية، تخلق تشابكات في المصالح بين أكبر عدد من الدول، سواء القريبة أو البعيدة، كما هو الحال بالنسبة لمشروع "طريق التنمية"، الذي يمكن أن يساهم في تنشيط القطاع الاقتصادي الخاص في العراق إلى حد كبير، ويجعله يتحول من بلد مستورد بصورة شبه كاملة، إلى بلد مصدر بمقدار نسبي معقول ومقبول.
أضف إلى ذلك، فإن تنويع مسارات تصدير النفط، وتأمين بدائل وخيارات جاهزة ومتاحة لاستخدامها في أوقات الأزمات، يعد أمرًا مهمًّا للغاية. وقد كشفت تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية، وأزمة إغلاق مضيق هرمز ذلك بوضوح. وكل هذه الإجراءات والسياسات والخطوات، تتيح للعراق تجنب الارتهان لسياسات ومواقف الأطراف الخارجية، وتجعله بمنأى عن التأثر المباشر بأي هزات واضطرابات إقليمية أو دولية، وتساعده في بلورة مواقف وقرارات مستقلة ومستندة إلى المصالح الوطنية لا إلى الأجندات الخارجية.