وهمُ القوة المطلقة لأميركا أمام حقيقة إيران
لم يعد العالم اليوم هو عالم الأحادية القطبية الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها على الآخرين كما في السابق؛ غير أن جزءاً من الخطاب السياسي والعسكري في واشنطن لا يزال قائماً على التصور القديم للتفوق المطلق.
الضابط المتقاعد في الجيش الأمريكي دانيال ديفيس انتقد هذا التصور، قائلاً: «استيقظوا؛ لم نعد نعيش في عام 1992 كي نملي على العالم ما يجب أن يفعله». كما وصف حديث المسؤولين الأمريكيين عن «أقوى جيش في التاريخ» وتهديداتهم بتدمير إيران بأنه لا يعدو كونه وهماً، محذراً من أن عدم مواجهة الولايات المتحدة لحقائق القرن الحادي والعشرين في أسرع وقت قد يقودها إلى إخفاقات استراتيجية أكبر.
وتكتسب تصريحات ديفيس أهميتها من صدورها عن شخص خدم لسنوات في المؤسسة العسكرية الأمريكية، ويعرف عن قرب مفهوم القوة العسكرية وحدودها. فهو يميز عملياً بين مفهومين تختلط حدودهما أحياناً، عمداً أو من دون قصد، في الخطاب السياسي الأمريكي، وهما «القدرة العسكرية» و«القدرة على فرض الإرادة السياسية».
التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية
ولا تزال الولايات المتحدة إحدى أكبر القوى العسكرية في العالم، بفضل ميزانية دفاعية ضخمة، وقوات جوية وبحرية متقدمة، وشبكة واسعة من القواعد العسكرية الخارجية، فضلاً عن قدرات استخباراتية وتكنولوجية كبيرة. غير أن أياً من هذه الإمكانات لا يضمن بحد ذاته قدرة واشنطن على تحقيق كل هدف سياسي تحدده.
ومن العراق وأفغانستان إلى سوريا وأزمات إقليمية أخرى، أظهرت التجربة أن بدء عملية عسكرية يختلف عن إنهاء أزمة سياسية. فقد تتمكن الولايات المتحدة من استهداف البنية التحتية لدولة ما، أو تدمير منشآت عسكرية، أو تقليص قدرات محددة لفترة معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قدرتها على تغيير السلوك السياسي لتلك الدولة وفقاً لرغباتها.
إيران اختبار مختلف للقوة الأمريكية
وتكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر في حالة إيران، التي ليست دولة صغيرة أو معزولة، ولا حكومة يمكن تغيير حساباتها السياسية بمجرد استعراض للقوة العسكرية.
وتتمتع إيران بعدد كبير من السكان، ومساحة جغرافية واسعة، وقدرات صناعية وعسكرية، وعمق استراتيجي، فضلاً عن خبرة تمتد لعقود في مواجهة الضغوط الأمريكية والعقوبات الواسعة.
وبناءً على ذلك، فإن القضية الأهم بالنسبة إلى واشنطن في المواجهة الأخيرة لا تتمثل فقط في حجم الأضرار التي تمكن كل طرف من إلحاقها بالآخر، بل في مدى قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها السياسية المعلنة.
ففي العلاقات الدولية، لا يمكن قياس القوة بعدد الطائرات أو الصواريخ أو السفن الحربية فحسب، إذ تكتسب القوة معناها الحقيقي عندما يتمكن بلد ما من تحويل إمكاناته إلى نتائج سياسية مستقرة.
الفارق بين الضربة العسكرية والانتصار الاستراتيجي
إذا دخلت الولايات المتحدة مواجهة بهدف دفع إيران إلى قبول مطالبها، لكنها لم تتمكن في نهاية المطاف من تغيير سلوك طهران بما يتوافق مع أهداف واشنطن، فإن سؤالاً أساسياً سيطرح بشأن الحصيلة الاستراتيجية لهذه المواجهة.
فحتى إذا تمكن أحد الأطراف من توجيه ضربات عسكرية إلى الطرف الآخر، فإن عدم القدرة على فرض الإرادة السياسية لا يسمح بسهولة بالحديث عن انتصار استراتيجي.
ويتمثل أحد الأخطاء المهمة في الحسابات الأمريكية في الاعتقاد بأن التفوق التكنولوجي والعسكري يعني بالضرورة تفوقاً مطلقاً في أي نزاع. وقد أظهر تاريخ العلاقات الدولية مراراً عكس ذلك، إذ يمكن للقوى الكبرى أن تمتلك تفوقاً في ساحة المعركة، لكنها تفشل في تحقيق أهدافها السياسية. وتعد حرب فيتنام من أبرز الأمثلة التاريخية على ذلك، كما أعادت تجربتا العراق وأفغانستان إبراز الحقيقة نفسها.
تداعيات أي مواجهة مع إيران تتجاوز حدودها
قد تكون هذه المعضلة أكثر تعقيداً في الحالة الإيرانية، نظراً إلى أن طهران عملت خلال السنوات الماضية على الاستعداد لمواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمريكية.
وإلى جانب قدراتها الداخلية، تتمتع إيران بموقع جغرافي بالغ الأهمية في المنطقة، ما يعني أن أي مواجهة معها قد تترك تداعيات تتجاوز حدودها. فمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز إلى أمن الطاقة والأسواق العالمية، يمكن أن تفرض مثل هذه الأزمة تكاليف على حلفاء الولايات المتحدة أيضاً.
ومن هنا، فإن التهديدات القصوى، إذا لم تقترن بالقدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية، قد تؤدي إلى نتائج عكسية. فعندما تتحدث قوة كبرى باستمرار عن تدمير دولة ما، لكنها لا تتمكن عملياً من تحقيق أهدافها السياسية، تصبح الفجوة بين «صورة القوة» و«واقع القوة» أكثر وضوحاً.
العالم لم يعد كما كان في عام 1992
وهذه هي القضية التي تشير إليها تصريحات دانيال ديفيس، الذي يرى أن على الولايات المتحدة أن تدرك أن العالم قد تغير.
فالفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي كانت مرحلة استثنائية في تاريخ النظام الدولي، إذ لم تواجه الولايات المتحدة لفترة منافساً مماثلاً لها على مستوى النظام العالمي، وتمكنت من صياغة جانب كبير من القواعد والمؤسسات الدولية بما يتوافق مع مصالحها. لكن ذلك الوضع لم يكن دائماً.
واليوم، تعمل الصين على تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية، فيما لا تزال روسيا قوة عسكرية ونووية كبرى، وتسعى دول أخرى إلى تقليص اعتمادها على الهياكل التي تقودها الولايات المتحدة.
وفي مثل هذه الظروف، فإن استمرار السياسة الخارجية الأمريكية في الاعتماد على منطق «نحن نقول والآخرون ينفذون» سيواجه مقاومة أكبر.
إيران وتحدي حدود النفوذ الأمريكي
ولا يقتصر هذا التغيير على ظهور قوى جديدة، إذ تعلمت دول عديدة من تجارب العقود الماضية أن الولايات المتحدة، رغم قوتها الهائلة، تمتلك حدوداً لقدرتها على فرض إرادتها. ومن شأن هذا الإدراك أن يغير سلوك تلك الدول ويرفع تكلفة الضغوط الأمريكية.
وتعد إيران إحدى الدول التي واجهت هذه الحدود بصورة جدية، إذ واجهت الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية العقوبات والضغوط السياسية والعمليات العسكرية والتهديدات ومحاولات العزل الدولي، لكنها تمكنت في الوقت نفسه من الحفاظ على بنيتها السياسية وقدراتها الاستراتيجية.
ومن هذا المنظور، لا يمكن تحليل المواجهة الأخيرة باعتبارها مجرد نزاع عسكري قصير الأمد، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من صراع أوسع حول مدى قدرة الولايات المتحدة على تحديد قواعد اللعبة في المنطقة.
واشنطن أمام ضرورة إدراك حدود القوة
وقد تكمن المشكلة الأساسية لواشنطن هنا تحديداً؛ فالولايات المتحدة، للحفاظ على مكانتها في العالم، تحتاج إلى إدراك حدود القوة أكثر من حاجتها إلى استعراضها.
فالقوة الكبرى تستطيع الحفاظ على مكانتها عندما تعرف أين تمارس الضغط، وأين تتفاوض، والأهم من ذلك، متى تتراجع عن هدف تكون كلفة تحقيقه أكبر من فوائده.
ومن هذا المنظور، ينبغي أخذ تحذير الضابط الأمريكي المتقاعد على محمل الجد. فقوله إن «نا لم نعد نعيش في عام 1992» يمثل في جوهره تحذيراً من نهاية تصور مفاده أن الولايات المتحدة تستطيع، بالاعتماد على تفوقها العسكري وحده، تحديد مسار التحولات العالمية.
وقد تحدت إيران هذا التصور بصورة جدية خلال السنوات الأخيرة. وإذا اختارت واشنطن، بدلاً من مراجعة حساباتها، اللجوء إلى مزيد من التهديدات واستعراض القوة، فقد تصل إلى النتيجة التي حذر منها ديفيس تحديداً: ليس تحقيق انتصار أكبر، بل مواجهة إخفاقات استراتيجية أكثر كلفة.
القوة العسكرية والإرادة السياسية ليستا شيئاً واحداً
إن القضية المطروحة اليوم أمام الولايات المتحدة ليست ما إذا كانت قوة كبرى أم لا، بل إلى أي مدى تستطيع تحويل قوتها إلى إرادة سياسية. فالأمران ليسا متطابقين.
وقد أظهر العالم بعد عام 1992 أن امتلاك مكانة القوة الكبرى يختلف عن القدرة على فرض القرارات على العالم بأسره، فيما يمكن أن تكون المواجهة مع إيران واحدة من أبرز الاختبارات لهذه الحقيقة.
مهر