kayhan.ir

رمز الخبر: 231078
تأريخ النشر : 2026October05 - 20:24

إيران وأميركا: الخداع البصري بين سعر الدولار وكلفة المعيشة

 

– ينشأ كثير من الأحكام على مستوى المعيشة في إيران وأميركا من مقارنة تبدو بديهية: العملة الإيرانية تتراجع أمام الدولار، بينما يحتفظ الأميركيون بدخولهم بالدولار، ولذلك يُفترض أن الإيرانيين يقتربون من الانفجار الاجتماعي، فيما يبقى الأميركيّون بمنأى عن ضغط مماثل. لكن هذه الصورة تُخفي السؤال الذي يحدد قدرة الأسرة على الاستمرار: كم أصبحت كلفة احتياجاتها الأساسية قياساً بما قبل الحرب، وما هي نسبتها السابقة والحالية من دخلها الفعلي؟

– سعر الصرف مهم، خصوصاً للمستوردات وما يدخل في الإنتاج من مواد وتجهيزات أجنبية. لكنه لا يقيس وحده مستوى المعيشة. فالأسرة الإيرانية تتقاضى دخلها بالتومان وتشتري معظم احتياجاتها بالتومان، وتستفيد بدرجات مختلفة من دعم الطاقة والسلع والخدمات. والأسرة الأميركية تتقاضى دخلها بالدولار، لكن ثبات اسم العملة لا يمنع تراجع قدرتها الشرائية عندما ترتفع أسعار الوقود والكهرباء والغذاء. المعيار المشترك هو كلفة الكميات نفسها من الاحتياجات، مقارنة بالدخل الذي يشتريها.

– في إيران، ارتفع سعر الدولار من نحو ١٣٥ ألف تومان في مطلع كانون الثاني إلى نحو ٢٦٧ ألف تومان في الرابع من تشرين الأول، أي قرابة ٩٨٪. هذا ارتفاع كبير، لكن اعتباره زيادة مماثلة في جميع نفقات الأسرة يحتاج إلى إثبات من أسعار الشراء. والرصد الذي جمعناه يظهر تفاوتاً: الدجاج ارتفع أقل من الدولار، وبعض أسعار الحليب والشاي ارتفعت أكثر منه، بينما اقتربت زيادة الخبز المدعوم في طهران من مئة بالمئة. الإنتاج المحلي والدعم يخففان بعض آثار الصدمة، لكنهما لا يعزلان جميع المواد عنها.

– ولتفكيك الأثر، حسبنا سلة ثابتة تضم ثلاثة كيلوغرامات من لحم العجل، وخمسة كيلوغرامات من الدجاج، وثلاثين بيضة، وعشرة كيلوغرامات من الأرزّ، وعشر عبوات حليب، ومئة رغيف لواش، و٤٥٠ غراماً من الشاي. وباستخدام متوسط الأسعار، ارتفعت كلفتها من نحو ٨٫٧٥ ملايين تومان أول العام إلى نحو ١٢٫٨٣ مليوناً، أي قرابة ٤٧٪. وتظهر خصوصية الطاقة بصورة أوضح؛ فشراء مئة ليتر من البنزين باستخدام الحصص المدعومة يكلف ٢١٠ آلاف تومان، ستين ليتر بسعر ١٥٠٠ تومان، وأربعين بسعر ثلاثة آلاف. أما استهلاك خمسمئة كيلوواط/ساعة من الكهرباء، وفق تعرفة المنطقة العادية للأشهر غير الحارة، فارتفعت كلفته الأساسية من نحو ٧١٥ ألف تومان إلى نحو ٩٩٤ ألفاً، وبإضافة ما يعادل أسطوانتي الغاز، وفق السعر المحلي المستخدم في حسابنا، ترتفع كلفة الطاقة من نحو ١٫١٢ مليون تومان إلى نحو ١٫٤٩ مليوناً.

– الحصيلة الحسابية للغذاء والطاقة هي ارتفاع الإنفاق من نحو ٩٫٨٧ ملايين تومان إلى نحو ١٤٫٣٣ مليوناً، أي قرابة ٤٥٪. لكن هذا الرقم لا يصبح مقياساً لضغط المعيشة إلا عندما نقارنه بالدخل. فقد ارتفع الحد الأدنى الأساسي لأجور العمال الخاضعين لقانون العمل بنحو ستين بالمئة في آذار، من قرابة ١٠٫٤ ملايين تومان إلى نحو ١٦٫٦ مليوناً، قبل البدلات والاقتطاعات. وباستخدام هذين الرقمين، انخفضت حصة الإنفاق المحسوب من الأجر من نحو ٩٥٪ إلى نحو ٨٦٪. وهذه النتيجة تثبت أن تحويل الراتب إلى الدولار وحده قد يقدم صورة مضللة، حيث قيمته الخارجية انخفضت، بينما تحسنت قدرته على تغطية البنود المحلية التي حسبناها.

– في أميركا، تكشف الحالات الواقعية التي نشرتها الصحافة المحلية طريقاً آخر للضغط. ففي كنتاكي، نقلت «ليكسنغتون تايمز» شكاوى من تضاعف فواتير الكهرباء، بينها فاتورة بلغت ٥٩٠ دولاراً مقابل ٢٥٠ دولاراً للشهر نفسه من العام السابق. وفي هيوستن، ارتفعت رسوم توصيل الكهرباء من ٤٫٩٩ إلى ٦٫٤١ سنتات للكيلوواط/ساعة بين آذار وأيلول، أي نحو ٢٨٪ لهذا الجزء من الفاتورة. هذه حالات وزيادات فعلية، مع اختلاف نطاقها وأسبابها، وليست افتراضات مجردة. وفي ويسكونسن، نقلت «باتش» عن أسرة من شخصين ارتفاع مشترياتها الغذائية الأسبوعية من نحو ثمانين دولاراً في شباط إلى نحو مئة وعشرين في حزيران، أي قرابة خمسين بالمئة وفق إفادة الأسرة. هذه شهادة على تغيّر إنفاق أسرة محددة، وليست متابعة إحصائية لسلع متطابقة أو نسبة وطنية لكل الأميركيين. لكن تجاهلها بحجة أنها محلية يلغي ما نبحث عنه أصلاً: كيف تصل حركة الأسعار إلى حياة الناس وفواتيرهم؟

– والبنزين يقدّم قياساً أوسع. فقد ارتفع المتوسط الأميركي من ٢٫٨١ دولار للغالون في الثامن من كانون الثاني إلى نحو ٤٫٣٧ دولارات في الرابع من تشرين الأول، أي نحو ٥٥٪. وعند استهلاك مئة ليتر شهرياً، ترتفع الكلفة من نحو ٧٤ دولاراً إلى نحو ١١٥ دولاراً. الأسرة تدفع واحداً وأربعين دولاراً إضافياً مقابل الكمية نفسها، دون أن يتغير اسم العملة التي تتقاضى بها راتبها.

– أما الديزل فيدخل إلى الإنفاق عبر الزراعة والحصاد ونقل الغذاء والسلع، حتى لدى أسرة لا تملك سيارة تعمل به. وقد نشرت «جورنال ريكورد» تقريراً عن ارتفاع أجور بعض مسارات نقل المنتجات الزراعيّة المبردة من كاليفورنيا بنسبة تراوحت بين أربعين ومئة وعشرين بالمئة مقارنة بالعام السابق. ارتفاع كلفة النقل لا ينتقل بالضرورة كاملاً أو فوريّاً إلى سعر السلعة، لكنه يضغط على حلقات الإنتاج والتوزيع، وقد يظهر لاحقاً في فاتورة المستهلك.

– وإذا بنينا على هذه الحالات تقديراً لأسرة ترتفع لديها الكهرباء والبنزين خمسين بالمئة، وافترضنا أن ارتفاع الديزل ثمانين بالمئة يسهم، مع بقية تكاليف الإنتاج، في زيادة الغذاء والسلع ثلاثين بالمئة، فإن توزيع الإنفاق بين ثلاثين بالمئة للطاقة وسبعين بالمئة للغذاء والسلع يعطي زيادة إجمالية قدرها ٣٦٪.

– وهنا يتضح الخداع البصريّ. ثبات الدولار لا يضمن ثبات مستوى معيشة الأميركيّ، وتراجع الريال لا يحدّد تبدّل مستوى معيشة الإيراني. إذا ارتفعت الفاتورة الأميركيّة دون زيادة مقابلة في الدخل، تتقلّص القدرة على شراء الاحتياجات. وإذا ارتفع الدخل الإيرانيّ بما يواكب المشتريات المحلية، وظلت الطاقة المدعومة قليلة الكلفة، فقد تحتفظ الأسرة بقدرة على الاحتمال والتأقلم رغم تراجع العملة.

– من هنا، يمكن أن يتزايد خطر الاحتقان الاجتماعي في أميركا إذا استمرّ صعود الوقود وتكاليف المعيشة دون تعويض في الدخول. وفي إيران، قد تخفف زيادة الأجور واستمرار الدعم من الضغط على فئات واسعة، وهذه المقارنة تصحّح الميزان: مقدار ما يخسره الناس من قدرتهم على العيش يتحدّد بما تشتريه دخولهم، وبما يضطرون إلى الاستغناء عنه، لا بصورة سعر الصرف وحدها.

البناء

captcha