كل العيون على اليمن
ناصر قنديل
منذ بيان المنامة الصادر عن وزير الخارجية الأميركي ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، بعد أسبوع على توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، والعودة لطرح مطالب تفكيك برامج الصواريخ والمسيّرات وإنهاء قوى المقاومة، كان السؤال عن الركيزة التي يستند إليها الرهان الأميركي الخليجي لتغيير الموازين. فالمطالب التي عجزت الحرب عن فرضها لا تصبح قابلة للتحقق بمجرد إعادة إعلانها. وكان فتح مسارات جانبية، من المعبر العماني إلى الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، يوحي بمحاولة تفكيك ترابط الجبهات وانتزاع مكاسب منفصلة، تعيد واشنطن جمعها في ميزان جديد بوجه إيران. لكن هذا البرنامج بقي يحتاج إلى واقعة عسكرية تمنحه القوة التي افتقدها على طاولة التفاوض.
جاء التصعيد السعودي في اليمن بعد ثلاثة شهور على بيان المنامة، وما تبعه من تحشيدات وخطاب حكومي عن الحسم وصولاً إلى صنعاء، ليكشف موقع الرهان اليمني في هذا البرنامج. فإسقاط قدرة «أنصار الله» على التأثير في الملاحة، وإخراج جبهة فاعلة من معادلة المقاومة، يتيحان تقديم اليمن بوصفه بداية لتفكيك المحور وعزل إيران. غير أن النتيجة الأولى جاءت معاكسة، مع تقدم قوات صنعاء على الساحل ووصولها إلى باب المندب، فتحوّلت الجبهة المرشحة لتغيير الموازين إلى مصدر إضافي للضغط على أصحاب الرهان.
في هذا السياق جاء الكشف عن الاجتماع العسكريّ المغلق في ألمانيا. فاللقاء الذي نظمته القيادة المركزية الأميركيّة، بمشاركة رئيس أركان جيش الاحتلال وقادة جيوش عربيّة، جمع أطرافاً تتقاطع مصالحها عند الحرب مع إيران وأمن الملاحة والتصعيد اليمني. والمعلومات المنشورة، وإن لم تكشف خطة عمليّات مكتملة، تؤكد أن البحث في الجبهات يجري ضمن حساب إقليمي واحد، وأن اليمن حاضر في محاولة تعديل الميزان الذي أنتجته الحرب.
ثم جاء اجتماع كامب ديفيد ليضع الخيارين اليمني والإيراني على طاولة أميركيّة واحدة. وبحسب «أكسيوس»، بحث كبار مسؤولي الأمن القومي، برئاسة نائب الرئيس، الحرب مع إيران والمواجهة السعودية مع «أنصار الله». وتفيد تقارير الموقع بأن الرياض طلبت مشاركة أميركية بضربات جوية، بينما يميل ترامب إلى تجنّب المشاركة المباشرة حالياً، مع إبقاء احتمال تغيير موقفه مفتوحاً. والسؤال الذي تلخصه هذه الموازنة هو كيف تمنح واشنطن الرهان السعودي فرصة، من دون أن تتحمل منذ البداية كلفة الانخراط في حرب يمنية جديدة.
تكشف تفاصيل الحملة التي نشرتها رويترز موضع الضعف في الرهان. فالخيارات تتراوح بين هجوم محدود لاستعادة المناطق المحيطة بباب المندب، وحملة أوسع تشمل البيضاء ومأرب وتعز والجوف. لكن العمليات البرية ستبقى على عاتق القوات اليمنية التي تشرف عليها الرياض، بإسناد جوي سعودي، فيما لا تتوقع المصادر مشاركة قتالية مباشرة لحلفاء المملكة. وتقدم واشنطن معلومات استخبارية، بينما توفر دول أخرى مساعدات دفاعية. أما إمكان تعبئة أكثر من مئة ألف مقاتل، فيصف حجم الحشد المحتمل، ولا يثبت قدرته على إنجاز المهمة.
هنا يبرز السؤال العسكري: كيف تستطيع القوات التي خسرت مواقع الساحل وباب المندب استعادتها بمفردها براً، بينما تواجه ضغطاً جديداً حول تعز؟ إن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم يحتاج إلى قدرة أكبر على المناورة والإمداد والتنسيق، ولا يكفي إعلان الحسم لتوفيرها. وغياب مشاركة برية خارجيّة يبقي الحملة معتمدة على القوة المحليّة نفسها، ويجعل التعويل على الغارات لتغيير نتيجة المواجهة البريّة رهاناً لم يقدم حتى الآن ما يثبت نجاحه، خصوصاً أن السعودية التي تتولى الإسناد الناري جواً تواجه مشكلتين كبيرتين: الأولى التكلفة التي يفرضها «أنصار الله» على الاقتصاد السعودي باستهداف المنشآت النفطية والحيوية في السعودية رداً على الغارات السعودية، والثانية محدودية صواريخ الدفاع الجوي التي تملكها السعودية والتي يمكن لأميركا والحلفاء تأمينها.
لذلك يمكن فهم اليمن بوصفه اختباراً يسبق القرار الأميركي الأكبر. فإذا نجحت الحملة السعودية، أمكن لترامب القول بأن الميزان تغيّر وأن الضغط العسكري على إيران يستحق جولة جديدة. أما إذا أخفقت، فسوف يصبح توسيع الحرب مقامرة بجبهتين مترابطتين وممرين بحريين تتوقف عليهما مصالح عالمية. وهذه القراءة لتلازم الملفات في المشاورات الأميركية تفسر ازدواج خطاب ترامب بين التهديد بضربة كبيرة والحديث عن قبول إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، أي بالتبشير بوجود فرصة للاتفاق.
ميدانياً، انتقل الضغط من المخا وباب المندب إلى التربة وطريق تعز نحو عدن. وأعلنت مصادر عسكرية في صنعاء طرد القوات المدعومة سعودياً من التربة والشمايتين وسامع، ونقلت وسائل قريبة منها أخبار تقدم نحو النشمة، بعدما أفاد التلفزيون العربي بقطع الطريق الرابط بين تعز والتربة. وفي المقابل، تعلن الحكومة استعادة مواقع وإرسال تعزيزات، ما يجعل ثبات السيطرة على الطريق والمرتفعات المحيطة به معيار المرحلة المقبلة.
يفتح تضييق المنافذ الجنوبيّة لتعز الباب أمام سؤال التسوية الميدانية وخروج المسلحين، وإن لم يتوافر بعد نص معلن لمفاوضات يحدد أطرافها وشروطها. فإعلان الحكومة عمليّة لاستعادة جميع مناطق سيطرة «أنصار الله» يواجه امتحانه الفوري حول تعز، قبل بلوغ صنعاء. وكل العيون على اليمن، لأن نجاح الرهان السعودي قد يغري واشنطن بالمضي نحو الحرب، بينما سيزيد فشله وزن التفاوض مع إيران. ومن باب المندب إلى التربة وتعز، تصبح الجغرافيا اليمنية بيضة القبان بين خيارين يتجاوزان اليمن إلى مستقبل المنطقة.