السعودية تحشد.. لكن هل تستطيع تحمّل ما سيأتي بعد الضربة الأولى؟
- دخل الصراع اليمني خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة مختلفة من حيث مستوى التصعيد واتساع رقعة المواجهة، في وقت تتحدث فيه تقارير دولية عن استعدادات سعودية لعملية عسكرية جديدة داخل اليمن. وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، تدرس الرياض خيارات عسكرية تتراوح بين عملية محدودة على الساحل بالقرب من مضيق باب المندب، وهجوم أوسع على عدة جبهات، على أن تتولى قوات يمنية مدعومة من السعودية الجزء الأكبر من العمليات البرية، مع إسناد جوي سعودي. وتشير المصادر التي تحدثت إلى رويترز إلى أن أكثر من مئة ألف مقاتل يمني قد يتم حشدهم إذا تقرر تنفيذ العملية على نطاق واسع، فيما لم يُحسم موعد انطلاقها بصورة نهائية.
هذه التطورات تأتي في ظل تصعيد متبادل؛ إذ تحدثت تقارير سعودية ودولية عن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت مواقع داخل السعودية، في حين استمرت الضربات السعودية داخل اليمن. كما أعلنت حركة أنصار الله مسؤوليتها عن هجوم استهدف منشأة تابعة لأرامكو في الرياض في الثالث من أكتوبر، بينما لم تؤكد السلطات السعودية وأرامكو بصورة فورية تفاصيل الهجوم.
وبينما ترى الرياض أن استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب أصبحت أولوية أمنية واقتصادية، فإن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع السعودية تحقيق أهدافها بعملية عسكرية جديدة، أم أن الدخول في حرب واسعة سيعيد إنتاج كلفة الحرب السابقة بصورة مختلفة؟
باب المندب ومعادلة جديدة
أحد أهم التطورات التي ركزت عليها التقارير الأخيرة هو الحديث عن سيطرة قوات صنعاء على مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر ووصولها إلى منطقة باب المندب. ووفقاً لرويترز، فإن عكس هذه المكاسب أصبح أحد الأهداف الرئيسية التي تدرسها الرياض، الأمر الذي يفسر التفكير في عملية عسكرية ساحلية أو عملية متعددة الجبهات.
أهمية باب المندب لا تتعلق باليمن وحده؛ فالمضيق يمثل ممراً رئيسياً للتجارة البحرية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبالتالي فإن امتلاك نفوذ قوي حوله يمنح الطرف المسيطر ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
ومن هنا يمكن فهم سبب انتقال النقاش السعودي من احتواء التصعيد إلى التفكير في عمل عسكري أكبر. فالمسألة بالنسبة إلى الرياض لم تعد مجرد مواجهة مع قوات اليمن، وإنما أصبحت مرتبطة طاقتها كما تصف التقارير. وفي المقابل، فإن أي محاولة لانتزاع هذه المناطق بالقوة ستعني الدخول في معركة ذات حساسية جغرافية وعسكرية عالية، وقد تفتح جبهات جديدة بدلاً من إغلاق الجبهة القائمة.
الضربات داخل العمق السعودي
خلال الفترة الماضية، لم تعد المواجهة محصورة داخل الأراضي اليمنية. فقد تحدثت السلطات السعودية عن هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مناطق في المملكة، من بينها أبها وخميس مشيط والطائف، كما أعلنت القوات المسلحة اليمنية في صنعاء في الثالث من أكتوبر مسؤوليتها عن استهداف منشأة لأرامكو في الرياض، وقالت إن الهجوم جاء رداً على ضربات سعودية استهدفت صنعاء ومناطق يمنية أخرى. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بوجود دخان وحريق قرب المنشأة، من دون تأكيد فوري من السلطات السعودية أو أرامكو لطبيعة الحادث.
هذه المعطيات تشير إلى تغير مهم في معادلة الردع: فكلما اتسعت العمليات السعودية داخل اليمن، تزداد احتمالات انتقال الرد إلى العمق السعودي، خصوصاً المنشآت الحيوية والطاقة والمطارات والمواقع العسكرية. ولذلك فإن أي قرار سعودي بشن عملية واسعة لا يمكن حساب تكلفته وفق ما يحدث في الأراضي اليمنية فقط؛ بل يجب أن يأخذ في الاعتبار قدرة الطرف الآخر على فتح مسار موازٍ من الضغط على الداخل السعودي.
ماذا تخطط الرياض؟
التقرير الأبرز في هذا السياق جاء من رويترز، التي نقلت عن ستة أشخاص مطلعين على الاستعدادات أن السعودية تدرس عملية عسكرية ضد اليمن، مع خيارين رئيسيين: عملية محدودة تركز على المناطق المحيطة بباب المندب، أو هجوم أوسع ومتزامن على عدة جبهات تشمل البيضاء ومأرب وتعز والجوف.
لكن التقرير نفسه يقدم نقطة مهمة ينبغي عدم تجاهلها: موعد العملية لم يُحسم، إذ تراوحت التقديرات التي نقلتها المصادر بين إمكانية البدء خلال أسبوع وبين تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر. وهذا يعني أن الحديث عن «حرب سعودية شاملة على صنعاء» ستضع السعودية تحت ضربات لقوات المسلحة اليمنية زلن تسلم السعودية من قوة الضربات اليمنية التي توعدت بها صنعاء في حال قيام السعودية في اي مغامرة جديدة باليمن.
هل تراهن السعودية على حرب جديدة؟
هنا تكمن المعضلة الحقيقية أمام الرياض. فإذا قررت السعودية الذهاب إلى عملية واسعة، فإنها ستواجه احتمال اتساع دائرة الرد على أراضيها ومنشآتها الحيوية. وإذا اختارت عدم التصعيد، فقد تضطر إلى التعامل مع واقع ميداني جديد على ساحل البحر الأحمر وفي محيط باب المندب.ولهذا فإن المسألة لا تختصر في سؤال: من الأقوى عسكرياً؟ بل في سؤال أكثر تعقيداً: من يستطيع تحمل كلفة الحرب لفترة أطول؟
التجربة السابقة أثبتت أن التفوق الجوي وحده لا يضمن حسم الحرب في اليمن، كما أن العمليات البرية تحتاج إلى قوات محلية متماسكة وقادرة على الحفاظ على الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها. وهذا تحديداً ما حذر منه محلل سعودي نقلت عنه رويترز ومن ثم، فإن الرياض إذا أقدمت على مغامرة عسكرية كبيرة في اليمن، فلن تدخل مواجهة بلا ثمن. ستكون أمام احتمال تلقي ضربات مضادة في العمق، واستنزاف سياسي وعسكري واقتصادي، وربما العودة إلى معادلة الحرب المفتوحة التي حاولت خلال السنوات الماضية تجاوزها.
أما قوات صنعاء، فإنها ستنظر إلى أي هجوم سعودي واسع باعتباره محاولة لإعادة رسم ميزان القوى بالقوة، وقد تسعى إلى تحويل المعركة إلى مواجهة إقليمية أوسع من خلال استهداف المصالح والمنشآت الحيوية داخل السعودية.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي الذي ستواجهه الرياض ليس فقط: «هل تستطيع شن الحرب؟»، بل: هل تستطيع تحمل نتائجها ؟
فالحرب يمكن أن تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي دائماً بالصيغة التي يريدها صاحب القرار. وفي اليمن تحديداً، قد تكون أخطر الحسابات هي تلك التي تبدأ باعتقاد أن الضربة الأولى قادرة على حسم المعركة، ثم تتحول تدريجياً إلى حرب استنزاف مفتوحة.
ولهذا تبدو السعودية اليوم أمام خيارين صعبين: إما المجازفة بعملية عسكرية كبيرة قد تعيد إنتاج كلفة الحرب السابقة في صورة جديدة، وإما التعامل مع واقع ميداني آخذ في التغير وفي كلا الخيارين، تبقى الحقيقة الأبرز أن أي حرب جديدة على اليمن لن تكون حرباً من طرف واحد؛ فكل ضربة قد تولّد ضربة مقابلة، وكل تقدم ميداني قد يفتح جبهة جديدة، وأي حساب خاطئ قد يجعل الكلفة أكبر بكثير من المكاسب المتوقعة.