kayhan.ir

رمز الخبر: 230882
تأريخ النشر : 2026October02 - 21:54

مرة أخرى انصار الله يهاجمون

كان الحديث عن هجوم معاكس تشنه السعودية والحكومة الموالية لها في اليمن لاستعادة الساحل الغربي، وعن استعدادات للتقدّم نحو صنعاء. وفي السابع من أيلول أعلن مساعد وزير الدفاع في حكومة عدن، اللواء سمير الصبري، أن قرار استعادة العاصمة قد اتُّخذ و«حُسم الأمر»، وأعاد رئيس حكومة عدن تكرار الهدف مراراً داعياً للنفير العام. كان المطلوب إقناع المتابعين بأن القوى المدعومة من السعودية تستعد لانتزاع المبادرة، وأن أنصار الله سيجدون أنفسهم أمام معركة الدفاع عن صنعاء. لكن مشهد تعز بعد أسابيع يضع هذه الوعود أمام نتيجة مختلفة: مرّة أخرى أنصار الله يهاجمون، والقوات المقابلة تستدعي التعزيزات لاستعادة مواقع جديدة خسرتها.

– الواقعة الأبرز جاءت من وكالة «يمن مونيتور» المناوئة لأنصار الله، التي نقلت في الأول من تشرين الأول عن مصادر ميدانية وعسكرية أن القوات الحكومية تراجعت من المنصورة بعد هجمات متواصلة لأنصار الله طوال اليومين السابقين، وتأخر وصول التعزيزات. ووصلت قوات من العمالقة لإسناد المقاتلين وشن هجوم مضاد لاستعادة المواقع المفقودة في المنصورة والبازلة، فيما استمرت المعارك في حالة كرّ وفرّ بما أعاد التذكير بما جرى في المخا وباب المندب. وأفاد مراسل «الشرق» بسيطرة أنصار الله على عقبة المنصورة. هنا يصبح التقدم واقعة تنقلها وسائل مناوئة لصنعاء، وتصبح استعادة المواقع عنوان المهمة الدفاعية الجديدة.

– وفي المجال نفسه، أعلن الناطق العسكري للقوات الحكومية، العقيد ماجد النزيلي، استهداف بطاريات مدفعية لأنصار الله في الوازعية، وقيادات وعناصر في المنصورة وباب المندب، ومنظومة دفاع جوي متحركة في المخا ثم في شارع الستين في تعز. وبصرف النظر عن حصيلة الخسائر التي يعلنها، فإن تسمية المواقع والعتاد المستهدفين ترسم انتشاراً عسكرياً لصنعاء يؤكد أن قدماً تم تحقيقه لصالح أنصار الله، وتكشف أن المواجهة تشمل قوات وأسلحة وإسناداً، بما يتطلب التعامل معها عمليات برية أكثر من تكرار غارات جوية متواصلة تعامل أنصار الله مع ما هو أكثر منها.

– أما جنوب تعز، فنقلت «عدن الغد» عن مصادر ميدانية اقتراب قوات أنصار الله إلى مسافة تقل عن خمسة كيلومترات من الصافية والطريق الرابط بين تعز والتربة وعدن، مع مطالبات عاجلة بإرسال تعزيزات لمنع تقدم جديد. ويضيف هذا المحور ضغطاً على شريان الاتصال بالجنوب، بالتوازي مع المعركة في المنصورة والوازعية. لذلك تظهر الحركة الهجومية في أكثر من اتجاه، وتضع القوات المقابلة أمام حاجة إلى حماية مواقع وطرق متباعدة في الوقت نفسه.

– هذه هي دلالة مشهد تعز: الهجوم المعاكس الذي كان يُقدَّم بوصفه مدخلاً لاستعادة الساحل صار مطلوباً لاسترداد مواقع خسرتها القوات خلال الأيام الأخيرة. والفارق بين المهمتين يكشف اتجاه المعركة؛ فمن يستعد لهجوم واسع يحتاج إلى تجميع القوة وتأمين خطوط الحركة والإمداد، بينما يدفعه الهجوم المتجدد لخصمه إلى توزيع التعزيزات وإرسالها إلى الجبهات المهددة. وكل قوة تُستهلك لمنع اختراق جديد، أو لاستعادة موقع فُقد للتو، تُقتطع من الإمكانات المخصصة للهجوم الأكبر.

– وتكتسب عقبة المنصورة أهميتها من الطريق الذي يمر عبرها نحو المضاربة، ومن اتصال المعركة هناك بالجبهات القريبة من كهبوب. فالضغط على العقبة يتيح، وفق وصف «يمن مونيتور»، محاولة التوغل والالتفاف على جبهات مجاورة. وبهذا يصبح التقدم في نقطة جبلية أداة لإرباك انتشار أوسع، ويفرض على المدافع حساب مخاطر تتجاوز الموقع الذي يقاتل لاستعادته.

– الغارات الجوية تدخل في هذا السياق؛ تستطيع إيقاع خسائر وعرقلة تقدم، لكن قدرتها على تغيير اتجاه الحرب تتوقف على وجود قوة برية تستثمر نتائجها. فإذا استمرت قوات صنعاء في الهجوم، وانتقلت القوات المقابلة من إعلان صد الهجمات إلى محاولة استعادة المواقع، فإن السؤال يصبح عن حدود الإسناد الجوي في تعويض الخلل الميداني. عدد الغارات وحصيلة الاستهدافات لا يجيبان وحدهما عن السؤال الذي يطرحه الميدان، ويبقى السؤال الجدي هو: مَن الذي يتقدم، ومَن الذي يعيد ترتيب دفاعاته؟

– لا تنفصل هذه الجولة عن المكاسب السابقة على الساحل الغربي، لأن الضغط في تعز يرفع كلفة إعداد عملية لاستعادتها، بإشغال القوات التي يُفترض أن تشارك فيها وتهديد مجال حركتها. ووفق هذه القراءة، تحقق صنعاء غرضين متصلين: توسيع الضغط على خصومها، وتعقيد قدرتهم على تنظيم هجوم يعكس نتائج الجولة السابقة. وهذا يمنح المبادرة الهجومية قيمة سياسية، لأنها تؤثر في الخيارات المتاحة أمام الطرف الآخر، حتى قبل حسم جميع المواقع المتنازع عليها.

– لذلك لا يصح التعامل مع الوقت باعتباره مهلة مفتوحة لصالح السعودية وحلفائها لترميم ميزان القوة. استمرار الهجوم يعني أن الترميم نفسه يجري تحت الضغط، وأن المواقع التي تحتاج إلى الحماية أو الاستعادة تتزايد. وكل جولة جديدة تختبر صدقية الوعود العسكرية وتعيد تحديد ما يستطيع أصحابها فعله على الأرض.

– كان الوعد استعادة الساحل والتقدم نحو صنعاء. أما المهمة الراهنة فهي استعادة المنصورة والبازلة وحماية طريق تعز الجنوبي. وبين الوعد والمهمة تظهر حقيقة المأزق: أنصار الله يواصلون فرض أولويات المعركة على خصومهم. ومرة أخرى، يبدأ الهجوم من جهة صنعاء، بينما يبحث الآخرون عن القوة اللازمة لوقفه.

– لا يبدو مصير تعز وبعده مأرب مختلفاً عن مصير المخا وباب المندب.

captcha