kayhan.ir

رمز الخبر: 230879
تأريخ النشر : 2026October02 - 21:54

الانسحاب الأميركي من العراق بين الاحتفال المستحق بالنصر وحتمية الحذر المشروع

ايهاب شوقي

شكل الانسحاب الأميركي من العراق مصداقًا جديدًا لحتمية انتصار المقاومة وانصياع القوى الكبرى والمتغطرسة لإرادة الشعوب وصمودها وعزمها على الاستقلال الوطني والكرامة، وهو أمر يفترض أن تتأمله كل الحكومات التي تنادي بالسيادة وتتخذ منه الدروس المستفادة بالاستناد إلى المقاومة والاستقواء بها في تفاوضها مع قوى الهيمنة، حيث لم تخرج أميركا من العراق ولا من أي دولة عبر تفاهمات ولا مفاوضات، وإنما خرجت بنيران المقاومة وبزيادة كلفة التواجد الاستعماري، فانسحبت أميركا وفرت خاسرة من الميدان ولم تغادر من قاعات الدبلوماسية وبياناتها الإنشائية الجوفاء.

ورغم هذا الانسحاب فإن الأمور تقتضي الحذر والجهوزية الدائمة، لأسباب متعلقة بالعراق وتجربة أميركا فيه من جهة، ولأسباب تتعلق بالوضع الاستراتيجي العام في المنطقة والصراع الدولي.

أولًا: أسباب متعلقة بالتجربة الأميركية مع العراق

من الأسباب التي تدعو للحذر، أن هذه ليست المرة الأولى التي تنسحب أميركا فيها من العراق، فقد سبق وانسحبت في العام 2011 بعد ثمانية أعوام من الاحتلال العسكري الصريح، وقد خرجت تحت وطأة المقاومة، ولكنها تحايلت على هذا الخروج بنوع آخر من الاستعمار الناعم عبر السيطرة الاقتصادية وغرس الفتن والانقسامات ورعاية الإرهاب، لتسوغ عودتها مرة أخرى في العام 2014 بذريعة حماية العراق من "داعش" والتنظيمات التكفيرية، والتي اعترفت أميركا لاحقًا برعايتها وبأن "داعش" كانت صنيعتها وهو ما صرح به ترامب شخصيًا في إطار مناكفاته السياسية مع أوباما وهيلاري كلنتون و"الديمقراطيين".

وهو ما يعني بشكل مباشر أن الانسحاب الأميركي لا بد من أن تتبعه خطوات عراقية حقيقية لدعم المقاومة والوحدة الوطنية وتدشين مسار استقلال وطني حقيقي بعيدًا عن الهيمنة الأميركية التي ستعمل حتمًا من جديد على غرس الفتن والمؤامرات وخلق الذرائع للهيمنة على العراق وربما اقتناص الفرصة لعودة جديدة إذا تم استهداف المقاومة التي أخرجت أميركا.

ثانيًا: أسباب متعلقة بالصراع الإقليمي والدولي

من السذاجة السياسية والاستراتيجية أن يتصور أحد أن أميركا تنسحب طوعًا، أو أنها تستعد للانسحاب من المنطقة بسبب أولويات أخرى وفي مسارح عمليات أخرى، لأن مسرح عمليات غرب آسيا وما يعرف عامة في أدبيات الاستعمار بـ "الشرق الأوسط" هو أهم مسرح عمليات، والسيطرة عليه حتمية لمن يريد الهيمنة والحفاظ على مركزه القطبي في الصراع الدولي.

ولهذا فإن خطط أميركا تتمحور حول السيطرة على مفاصل الإقليم وفقًا لما هو متاح من قوة، إما بالسيطرة المباشرة بالتواجد العسكري في المضائق والقواعد البرية والجوية والبحرية، وإما عبر قوى وكيلة ونظام إقليمي يحفظ المصالح الأميركية.

وهنا يأتي مشروع "إسرائيل الكبرى" كمشروع وظيفي يخدم المصلحة الأميركية، وهو ما يفسر قيادة أميركا للحرب ودعمها اللامتناهي للكيان على عكس ما يروج له البعض من أن نتنياهو يورط ترامب أو أن أميركا تحارب نيابة عن الكيان، حيث يعد الكيان "أوهن من بيت العنكبوت" كما تصفه المقاومة إقرارًا بمقولة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، وتاليًا تعمل أميركا على فرضه قبل أي انسحاب للتفرغ لأولويات أخرى.

والخطة باء، أو الخطة البديلة لأميركا عند الفشل في فرض مشروع "إسرائيل الكبرى"، هي وجود تقاسم للنفوذ الإقليمي بما يعمل للصالح الأميركي ولا يعيق أجندة أميركا، وهو يتطلب أن تكون القوى الإقليمية الكبرى غير متناقضة مع أميركا ولا "إسرائيل"، وتحديدًا الأنظمة العربية الكبرى وتركيا وإيران على غرار "إيران الشاه".

أي إن أميركا لا تمانع وجود دور لإيران ولكن إيران الأخرى التابعة لأميركا وليس نظام الثورة الإسلامية، وهو ما يفسر السعي الأميركي الدؤوب لإسقاط النظام عبر الخنق الاقتصادي وغرس الفتن عوضًا عن الفشل العسكري.

ومن هنا فإن أميركا تعيد تموضعها، وهذا الانسحاب يعد إعادة للانتشار في مواقع جيواستراتيجية بديلة توفرها بكل أسف دول عربية وإسلامية أخرى.

والخلاصة، فإننا أمام إنجاز كبير للمقاومة ونصر مبين، ولكنه نصر يتطلب الحذر والجهوزية من المقاومين، كما يتطلب من الحكومات والسلطات الاعتراف بدور المقاومة وسلاحها وحتمية توظيفها والاستناد إليها في حماية السيادة والردع.

captcha