هرمز من عنوان التفاوض إلى بوابة جولة حرب جديدة؟
– منذ أسابيع، يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مضيق هرمز كما لو أن المعركة عليه حُسمت، حيث قال إن المضيق «مفتوح»، وإن القدرة الإيرانية على التحكم بعبور النفط باتت محدودة، فيما يكرر مسؤولون أميركيون أن زيادة عبور النفط والحصار المفروض على إيران يجعلان موقع واشنطن التفاوضي أقوى كل يوم. وبعد رفض المقترح الإيراني الأخير، فسّر ترامب استعجال طهران للتوصل إلى اتفاق بشأن هرمز بأنها «تخسر بشدة». هذا خطاب يريد نقل المضيق من خانة المشكلة التي تحتاج إلى تسوية إلى خانة الإنجاز الذي يتيح لواشنطن طلب تنازلات إضافية. لكن اختباره لا يكون بعدد مرات إعلان الانتصار، بل بحركة النفط وسعره وكلفة تعويض النقص من المخزون.
– هناك تحسّن فعلي في الصادرات، وفق أرقام «كبلر» التي تقول إن المعدل اليومي للعبور يقارب ستة ملايين برميل؛ أي 30% مما كان عليه الحال قبل الحرب، لكن رقم صادرات المنطقة يشمل أيضاً شحنات تخرج من مرافئ خارج المضيق، ومنها مرافئ عُمان والفجيرة والبحر الأحمر. ما يجعل ما يخرج من المضيق أقل بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً. لذلك لا يصحّ تحويل تحسن الصادرات الإقليمية إلى شهادة بأن الملاحة عبر هرمز عادت طبيعية أو أن قدرة إيران على تعطيلها انتهت.
– والسعر هو الشاهد الذي لا يمكن إسكاتُه بالتصريحات. حيث تثبت سجلات تحرّك سعر البرميل خلال فترة ما بعد حرب 28 شباط أن أدنى الأسعار بعد الحرب كان في أول تموز حيث بلغ 70 دولاراً للبرميل عندما أعلنت إيران أن المضيق مفتوح، وأن كل الكلام الأميركي عن فتح المضيق وأرقاماً بمئات ملايين البراميل التي عبرت المضيق لم تنجح في زحزحة سعر البرميل تحت عتبة المئة دولار للبرميل، الذي يتحرّك بين سعري 105 و108 دولارات للبرميل، ولو كان السوق مقتنعاً بزوال خطر المضيق، لكانت عودة جزء كبير من الصادرات وفق البيانات الأميركية كافية لإزالة علاوة الخطر على نحو أكثر ثباتاً. السوق يسمع أن نفطاً يعبر، لكنه يرى أيضاً ممراً لا تزال سلامة العبور فيه رهينة ميزان عسكري وسياسي قابل للتبدل.
– أما المخزون الأميركي فيكشف كلفة الحفاظ على هذه الصورة، بعدما هبط الاحتياطي النفطي الاستراتيجي إلى 283 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1982. وفي اليوم نفسه الذي يتقدم فيه خطاب سقوط ورقة هرمز، عرضت واشنطن إقراض الشركات ما يصل إلى 40 مليون برميل إضافية من الاحتياطي، ضمن التزامات السحب التي أقرتها لمواجهة آثار الحرب. يثبت ذلك أن تحسن التدفق الحالي لم يُنهِ الحاجة الأميركية إلى الاستعانة بالمخزون، بل إن إعادة ملئه لاحقاً ستصبح طلباً إضافياً على النفط.
– هنا يظهر مأزق المفاوضات. تريد واشنطن أن تتصرف كأنها تجاوزت أزمة هرمز، وأن تجعل التنازلات النووية الإيرانية شرطاً للتفاهم. وتريد طهران، في المقابل، رفع الحصار البحري والعقوبات والإفراج عن أموالها، ضمن تسوية تعيد تنظيم الملاحة وتنهي القتال على الجبهات المرتبطة بالحرب. ما دامت المحادثات مستمرّة، يستطيع الطرفان اختبار صيغة تحفظ لكل منهما شيئاً من مطالبه. أما إذا تعثرت الجولة الحالية، فسيصبح الخطاب الأميركي عن «سقوط الورقة» تحدياً مباشراً لإيران: إما القبول بتراجع قيمة أهم أوراقها، وإما محاولة إثبات أن التحسن في العبور قابل للعكس.
– هذا هو موضع الخطر، لا التنبؤ الجازم بقرار اتُّخذ. تستطيع إيران، إذا اختارت التصعيد، تشديد الضغط العسكري على حركة الناقلات. وقد تكفي وقائع متتابعة ترفع مخاطر الرحلة وكلفة التأمين وتدفع الشركات إلى التوقف، لكي تبدأ حرب ناقلات جديدة وتقترب حركة المضيق من الإقفال المحكم، حتى قبل إعلان إغلاق رسمي. سبق أن تباطأ العبور عند تجدد التهديدات، ولا تزال طهران تحتفظ، رغم الضربات الأميركية، بقدرات صاروخية ومسيّرة تعوق الملاحة. وفي المقابل، سيكون التصعيد مكلفاً لإيران نفسها وقد يستدعي رداً عسكرياً.
– عندئذ تُختبر مقولة الانتصار الأميركي بأشد صورها صعوبة: هل تستطيع واشنطن ضمان عبور تجاري منتظم وطويل الأمد بالقوة وحدها، فيما الأسعار مرتفعة واحتياطيها يتناقص؟ أم تعود إلى التفاوض على هرمز بوصفه جزءاً من تسوية الحرب؟ ليست المشكلة أن سفناً تعبر اليوم؛ المشكلة أن إعلان انتهاء المعركة على المضيق قد يدفعها، إذا سقط التفاوض، إلى جولة أشد خطورة لإثبات العكس. وبين تفاوض يعترف بثقل هرمز وحرب لا تظهر لها شروط حسم سريع، قد يتحول المضيق من عنوان الاتفاق المنتظر إلى بوابة الحرب المقبلة.
البناء