ما وراء «الخط الأصفر»… هل تُمهّد «إسرائيل» لجولة نار واسعة في لبنان؟
عباس المعلم
خلال اليومين الأخيرين، أخذ الخطاب الإعلامي “الإسرائيلي” منحىً أكثر خشونة حيال الجبهة اللبنانية، مع تخصيص مساحة واسعة للحديث عن استعدادات عسكرية لمرحلة جديدة من القتال في الجنوب تتجاوز الحدود المتحركة لما يُعرف بـ«الخط الأصفر». ولا يبدو هذا الضجيج منفصلاً عن الإيقاع الميداني المتصاعد، بما يضع لبنان أمام مشهد تتداخل فيه الحرب النفسية والضغط السياسي مع التحضير العسكري، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّ قرار الانتقال إلى مواجهة واسعة قد اتُخذ نهائياً.
في الميدان، يكتسب المشهد حساسية أكبر مع النشاط المتزايد للمُسيّرات والطائرات الحربية في الأجواء اللبنانية، ولا سيما فوق الجنوب والضاحية وبيروت والبقاع، بالتوازي مع عودة ملحوظة لحركة المُسيّرات شمال الليطاني وصولاً إلى صيدا. صحيح أنّ كثافة الاستطلاع الجوي لا تكفي منفردةً لإثبات اقتراب ضربة واسعة، إلا أنّ تزامنها مع رفع السقف الإعلامي “الإسرائيلي” يجعلها جزءاً من لوحة أوسع تتراكم فيها الإشارات، ويمنح اللحظة الراهنة وزناً يتجاوز الضجيج المعتاد على جبهة لم تستعد أصلاً استقرارها.
سياسياً، قد يكون رفع منسوب التهديد محاولة إسرائيلية لاستخدام حافة الحرب أداةً للضغط على الدولة اللبنانية وحزب الله معاً، بهدف تضييق هامش المناورة وانتزاع تنازلات سريعة تخدم حسابات بنيامين نتنياهو السياسية والأمنية. غير أنّ فرضية الضغط لا تُسقط الاحتمال العسكري؛ إذ يمكن أن تتحوّل التهديدات إلى حملة نارية أوسع إذا خلصت القيادة الإسرائيلية إلى أنّ الضغط السياسي وحده لا يحقق أهدافها، وعندها تصبح احتمالات توسيع الغارات في الجنوب والبقاع، أو استهداف الضاحية وبيروت، أو توسيع الحركة خارج «الخط الأصفر»، أو تنفيذ اغتيالات تطال مستويات قيادية عسكرية وتنفيذية رفيعة في حزب الله، سيناريوات ينبغي أخذها في حساب تقدير الموقف، لا التعامل معها كوقائع محسومة.
وعليه، لا يقف لبنان بالضرورة أمام حرب شاملة محسومة، لكنه يقف أمام مرحلة سياسية ـ عسكرية شديدة الهشاشة، قد يصبح فيها التهديد نفسه مقدمةً للفعل. وإذا كانت “إسرائيل” تحاول تحويل تفوّقها العسكري إلى أوراق تفاوض تُفرض تحت النار، فإنّ المعضلة اللبنانية تصبح أكبر من حدود الجنوب ومن «الخط الأصفر» نفسه: إنها معركة على شروط المرحلة المقبلة، وعلى مقدار ما تستطيع “إسرائيل” انتزاعه بالقوة عندما يتعذّر انتزاعه بالسياسة. والخطر الحقيقي يبدأ حين يقتنع أحد الأطراف بأنّ بإمكانه استخدام الحرب لتعديل ميزان التفاوض من دون أن يدفع ثمن الانزلاق إليها؛ فالحروب قد تبدأ بقرار محسوب، لكنها نادراً ما تبقى أسيرة الحسابات التي أشعلتها. وفي لبنان اليوم، قد تكون المعركة الأخطر ليست على أين يقف «الخط الأصفر»، بل على مَن يرسم الخطوط الحمراء للمرحلة التي ستليه…