kayhan.ir

رمز الخبر: 230690
تأريخ النشر : 2026September28 - 20:49

مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب

 

حاول دونالد ترامب التقليل من تداعيات التطورات في مضيق هرمز، واعتبارها أزمة قابلة للإدارة، لكن الحديث الغربي عن «تغيير هيكلي» يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الأزمة ومستقبل الممر الاستراتيجي.

إن أهمية مضيق هرمز لا تقتصر على كمية النفط التي تمر عبره وتأثير إغلاقه أو تعطل حركة الملاحة فيه على أسعار الطاقة العالمية. فهرمز يعد أحد أهم نقاط اتصال الاقتصاد العالمي بمنطقة الخليج الفارسي، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يغير مجموعة من الحسابات الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.

ولهذا السبب، فإن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بأسعار النفط، بل بما إذا كان بإمكان الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في المنطقة، بعد هذه الأزمة، اتخاذ قراراتهم بشأن استقرار هذا الممر الحيوي بالقدر نفسه من الثقة الذي كانوا يتمتعون به في السابق.

وقد سلط نيل كويليام، الباحث في سياسات الطاقة والجغرافيا السياسية في تشاتام هاوس بلندن، الضوء تحديداً على هذه النقطة. وأشار، في ظل تدهور الظروف الأمنية في المنطقة، إلى أن الولايات المتحدة ربما لا تزال غير مدركة بشكل كامل لحجم تداعيات الوضع الراهن.

ومن وجهة نظره، فإن ما حدث في مضيق هرمز ليس مجرد قضية مرتبطة بأسعار النفط، بل يمكن أن يمثل «تغييراً هيكلياً» يجعل العودة إلى الظروف التي كانت سائدة قبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير أمراً غير ممكن.

وتكتسب هذه التقييمات أهميتها من أن هرمز ليس مجرد ممر جغرافي لنقل الطاقة، بل يشكل جزءاً من الحسابات الأمنية والاقتصادية للدول العربية المطلة على الخليج الفارسي، وشركات الطاقة الكبرى، والمستثمرين الدوليين، وحتى الدول الواقعة على بعد آلاف الكيلومترات من المنطقة.

وعندما تصبح سلامة أحد الممرات الحيوية موضع شك لفترة طويلة، فإن آثار ذلك لا تزول بالضرورة بمجرد انتهاء أزمة أمنية معينة.

تغيير حسابات المستثمرين

فالمستثمر وشركة الطاقة أو الدولة المستوردة للنفط لا ينظرون فقط إلى الوضع الراهن، بل تهمهم أيضاً تقديرات المخاطر خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

وإذا ترسخ الاعتقاد بأن هرمز لم يعد ممراً مستقراً وقابلاً للتنبؤ كما كان في السابق، فإن القرارات الاقتصادية ستتغير بدورها. وقد ترتفع تكاليف التأمين على النقل، وتتجه الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة، وتنفذ الاستثمارات بحذر أكبر، فيما قد تضع دول المنطقة خططاً جديدة لتقليل اعتمادها على هذا الممر.

ولهذا السبب، حتى إذا عادت حركة الملاحة في المضيق في نهاية المطاف إلى وضعها الطبيعي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة «المخاطر» إلى مستوياتها السابقة.

فالأزمة الأمنية قد تغير، بدلاً من إغلاق الممر بشكل دائم، نظرة الفاعلين إلى مستوى أمنه وإمكانية الاعتماد عليه. وهنا يكمن الفرق بين اضطراب مؤقت وتغيير هيكلي.

السعودية أمام تحديات الاستقرار

وتكتسب تداعيات هذا الوضع أهمية خاصة بالنسبة إلى السعودية. فقد سعت الرياض خلال السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسها بوصفها أحد أهم المراكز الاقتصادية والتجارية والمالية في المنطقة.

وترتبط الاستثمارات الأجنبية، وتنمية القطاعات غير النفطية، والسياحة، والمشروعات الاقتصادية الكبرى، والمساعي الرامية إلى تحويل السعودية إلى مركز إقليمي، جميعها بافتراض أساسي يتمثل في الاستقرار.

لكن إذا دخل انعدام الأمن في المنطقة بصورة أكثر رسوخاً في الحسابات الاقتصادية، فقد تواجه صورة الاستقرار هذه تحديات جديدة.

ولا يتعلق الأمر فقط باحتمال تعرض صادرات النفط السعودية لمشكلات خلال فترة معينة، بل الأهم هو تأثير استمرار حالة عدم اليقين على ثقة المستثمرين.

فالاستثمار الكبير يحدث عندما يتمكن الفاعل الاقتصادي من توقع المخاطر المستقبلية إلى حد مقبول. وكلما تراجعت إمكانية التنبؤ، أصبحت قرارات المستثمر أكثر تحفظاً.

وينطبق الأمر ذاته على بقية الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي. فقد سعت اقتصادات العديد من هذه الدول خلال السنوات الماضية إلى تقليل اعتمادها المباشر على عائدات النفط، والتحول إلى مراكز للتجارة والخدمات المالية والنقل والسياحة والاستثمار.

إلا أن جميع هذه الأنشطة تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة نسبياً. وبالتالي، فإن أي تغيير مستدام في تقييم أمن مضيق هرمز يمكن أن يتجاوز سوق الطاقة ليؤثر أيضاً في نموذج التنمية الاقتصادية لهذه الدول.

النفط ليس المقياس الوحيد لتداعيات الأزمة

ومن هذا المنظور، لا ينبغي تقييم هرمز من خلال رقم واحد، هو سعر النفط. فارتفاع أسعار النفط هو التداعيات الأكثر وضوحاً للأزمة، لكنه قد لا يكون أهمها.

إن التغير في سلوك المستثمرين، وارتفاع التكاليف الأمنية، وتغيير مسارات التجارة، وإعادة النظر في سياسات الطاقة، ومساعي دول المنطقة لتقليل تعرضها للاضطرابات في هرمز، كلها تداعيات قد تظهر في وقت لاحق، لكنها قد تكون أكثر استدامة.

وفي مثل هذه الظروف، فإن محاولة تقديم صورة مبسطة عن القضية لا يمكنها تفسير جميع أبعادها. فقد تتمكن الولايات المتحدة، من الناحية العسكرية أو العملياتية، من إدارة جزء من المشكلات المرتبطة بحركة الملاحة في هرمز، لكن القضية التي يحذر منها خبراء مثل كويليام لا تتعلق فقط بالقدرة على فتح ممر أو السماح لسفينة بالعبور.

القضية الأساسية هي ما إذا كان مختلف الفاعلين سيحتفظون، بعد أزمة طويلة، بالمستوى نفسه من الثقة الذي كان قائماً سابقاً تجاه هذا الممر.

وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن عودة السفن وناقلات النفط إلى الحركة لا تعني بالضرورة عودة الأوضاع بالكامل إلى ما كانت عليه.

هرمز بعد الحرب.. ممر مفتوح بثقة أقل

ومن هذا المنظور، ينبغي التعامل بجدية مع عبارة كويليام التي تفيد بأن «العودة إلى الظروف التي كانت سائدة قبل 28 فبراير لم تعد ممكنة».

ولا يعني ذلك بالضرورة أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً إلى الأبد أو أن تدفق الطاقة عبره سيتوقف، بل إن المعنى الأهم يتمثل في تغير حسابات الفاعلين.

فقد يبقى هرمز مفتوحاً بعد هذه الأزمة، لكنه ربما لن يُنظر إليه بالقدر نفسه من الثقة الذي كان يحظى به سابقاً، وربما يكون ذلك أهم تداعيات التطورات الأخيرة.

إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر ضيق بين ضفتين، بل هو نقطة تلتقي عندها أمن الطاقة والاقتصاد العالمي والسياسة الإقليمية ومستقبل دول الخليج الفارسي.

وإذا أدت هذه الأزمة إلى تغيير نظرة الحكومات والشركات والمستثمرين إلى أمن هذا الممر، فإن تأثيرها الحقيقي لن يظهر خلال أيام أو أسابيع، بل في القرارات التي ستُتخذ خلال السنوات المقبلة بشأن الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن الإقليمي.

ولهذا السبب، لا يمكن تقييم قضية هرمز من خلال سؤال واحد هو: «هل سيعود النفط إلى العبور عبر المضيق؟»، بل إن السؤال الأهم هو: «هل سيظل العالم ينظر إلى هرمز بعد هذه الأزمة باعتباره المضيق نفسه الذي كان عليه من قبل؟».

وقد تحدد الإجابة عن هذا السؤال ما إذا كان ما حدث في هرمز مجرد أزمة مؤقتة، أم بداية تحول سيعيد تشكيل المعادلات الاقتصادية والأمنية في الخليج الفارسي خلال السنوات المقبلة.

مهر

captcha